اللوحة: الفنان البولندي باول كوزنسكي
ذهبت للمقهى الذي يرتاده سعاة البريد، الواقع في زقاق خلف “البوسطة العمومية” بوسط البلد، أذكر أنني ترددت على هذا المقهى قديمًا، رأيتهم هناك بالزيّ الرسمي لهم، يحتسون الشاي، يتناولون الإفطار، يشربون القهوة، بعضهم يدمن السعال ويصر على التدخين في نفس الوقت، آخرون يكتفون بالتطلع للأفق البعيد.
ذهبت بالأمس، كلّي رجاء أن ألتقي “عم فاروق” ساعي بريد منطقتنا، بعينيه الملونتين، بياضه الأوروبي، ووسامته غير المألوفة في الرجال بيننا. كان يحفظ البيوت، يعرف كثيرًا من أسرار الناس إذ اعتاد الأهل والجيران أن يكلّفونه بفتح الخطابات وقراءتها لهم حين لا يجدون من يعرف القراءة من بينهم.
لقد طفح الكيل بي، منذ سنوات بعيدة إذ لم يصلني أي خطاب، لم أتلق رسالة بريدية رسمية، أو مغلّف ورديّ اللون تفوح من ثناياه رائحة زكية غامضة، مع ذلك لم تخل مراسلات بريدية كثيرة أتت للأهل، من سلامات بعث بها إليّ المسافرون للضفاف الأخرى البعيدة.
حينما دخلت المقهى، ألقيت السلام على الجميع، أغلبهم روّاد لا أعرفهم، لقد راعيت أن تكون نبرة صوتي عالية محايدة، لا تحمل أية رسائل أو إشارات خفيّة حتى لا توحي لهم بإجابة أرغبها من أعماقي.
ردّ بعضهم السلام، بينما انشغل الباقون بأحاديثهم الجانبية، ثم سألتهم عن وارد لي، من أي جهة، من أي مكان، من أي شخص حبيب أو خصم لدود حتى.. ثم أين عم فاروق؟ ألقيت بالسؤال وأنا أتفحص الجمع بعين قلِقة!
قال لي أحدهم بضجر وهو يتفحص هاتفه المحمول: لم نقرأ اسمك في دفاترنا من قبل، رجاء اذهب من هنا وتفقّد هاتفك، أو بريدك الإليكتروني، أو أي حساب افتراضي خاص بك، ربما تجد ضالتك، دعنا نحن وشأننا الآن، ثم إن فاروقك الذي ذكرتْ، لا نعرفه أو نسمع به.
قلت: شقيّ من تنقطع صلاته بالعالم هكذا.
أجابني نفس الرجل: بل شقيّ من يتردد اسمه في دفاترنا.
