أصدّق الغضب

أصدّق الغضب

أسماء ناصر

اللوحة للفنان حسين نشوان

تقول أمي إننا لم نفلح في اصطياد عريس، ولا حتى في اختيار تخصص مرموق يليق بي، تخيّل أن تنفق خمسًا وعشرين عامًا تحاول اقتناص الفرص وسط لاءات لا تبقي ولا تذر، تصنع انتصارات صغيرة يهدمها عابر بأُنملته، لم تفلح في أي شيء، لم يتحول قلبك لإسفنجة ذوت من كثرة اعتصار آلام أمّة، ولم تقفز فرحًا لأجل نفسك، ولا لأجل أحد.

 كنت عالة دائمًا، لم تتزوج.

مثل هذه الخطابات المفاجئة التي تنثال عقب نقاش احتدّ مجراه، لا أستطيع تحييدها عن ذهني، مثل سيل عرم يجرف بيتًا عمره ثلاثين عامًا بكلّ لبنات حكايته الطّويلة، أشعر بالمحبة تنهار، الخيوط تنقطع كنياط قلب ثكلى، وقت أن ينفجر فم من عهدنا سكوته بالكلمات، مثل صخرة لا تنفجر إلا عن ماء عذب، عذب من الصدق، من الحقيقة الصافية، ماذا بوسعك أن تفعل سوى أن تصدقه؟

 أنا والغضب حبيبان، أحبّ الغضب فضاءً حاويًا لكلّ الحقائق، كونًا يعرض الماضي والحاضر والمستقبل بين كفّيه، لا تستطيع ردّه، 

تحمرُّ عينا محدّثك، كل المآخذ التي رآها منك، تعرفها وتعرف ما حدث، كل ما تستطيع فعله أن تنصت والأحداث تتعاقب على ذهنك، فورة الرّد تقف خجلى على أبواب قلبك، تنكسر، فينهار هشيمك عليها فترتد، وتسكن.. ثمّة لذة تتلو هذه المناطق الشّرسة، تشبه الاستحمام تحت ماء ساخن بعد يوم منهك، تغمض عينيك وتغرق فيما ورائيات يومك، فيما ورائيّات الغضب؛ عندي إيمان راسخ بأن الجرس الموسيقي للكلمات، هي إحدى الطرق التي يستدلّ بها على معانيها، كالغضب، على كل شيء أن ينتهي وينفجر عند نقطة محددة، تصعد بالغين، تعلو أكثر بمخرج الضاد، ثم تسكن تمامًا عند الباء، كل شيء ينتهي بالغضب.

أصدق الأشجار حين تنوح وقت الرّياح، تعلن هشاشتها بعد كتمان؛ فتستلقي باكية، أو أن تهتز وهي تعضّ على أوراقها صامدة، أما وقوفها وقت الصّفاء، فيحسنه كل أحد، أصدّق نفسي حين يُتلى على مسمعي إخباريّة رفض ونبذ وهزيمة، أخرج من الحيّز مكسورة، أهرول بأقصى ما لدي إلى حيث لا أدري، تتوارد الأفكار مثل صعقات كهربائية، حقائقُ مسحتْ بيانات هزائمك وأخرجت لك الاحصائيات: لا تصلح لشيء، حظّ أوفر بالسّوء في الأيام القادمة، أصدق الغضب، حين ينفجر قلبك حزنا، فيتدفق الدم في أوداجك، يرتعش كل ما فيك، فتفجر حنجرتك عن صيحات مدوية لتقول لمن لا يسمع أو يفهمك: كفى، كفى لتضييع وقتي وعمري، كفى لتسفيه أحلامي وطموحاتي، كفى للمتاجرة بي والصعود على رقبتي.

هل تحفظ ملامح والدك باسمًا أم غاضبًا؟ غاضبًا، هل تتعامل مع أستاذك على أساس ما عاملك به لحظة غضبه أم لينه؟ غضبه، لأن الغضب لا يزور من أعرف بكثافة، وحين يقرر، فإنه لا يأتي اعتباطًا، إنها الحقيقة الأكثر ازدراء ونكرانا.

مرغَم، مرغم على وجودٍ لا يرغب بك، مرغم على حياةٍ تركلك بلا هوادة، مرغم على كلماتٍ لا تفهمها، وبروتوكلات لا تستطيع أداءها، مرغم عي السكوت حين يوشك فاك أن ينفجر بالكلام، لم تكن كافيًا لأحد، أخرجوك من حيواتهم مثل من يقلع عن ذنبه بالصراخ، والغضب.

نعم، أصدق الغضب.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.