الكاتبة الجزائرية جميلة زنير
اللوحة للفنان الأميركي جاكسون بولوك
حين انطلقت قافلة الجند والبغال بالأحمال والأسلحة، كانت صدور المجندين عنوة تغلي من الغيظ، وكل شيء يتأرجح أمام أعينهم، والريح النفاذة تتقاذفهم، والعواصف الثلجية تصفع وجوههم وهم يتعثرون بالأكمات والحجارة، أو يخوضون في الأوحال إذ يسلكون أراضي ملتوية تملأها الحفر.
كان عليهم أن يحافظوا على مظهرهم وهم المنهكون الذين يكادون يتساقطون من التعب والبرد والجوع.. كل الأراضي خالية من الناس، وإذا لاح لهم عابر فسرعان ما يختفي ليحل القفر من جديد، وتظهر لهم أكواخ مهجورة ثم تغيب وهم يعلمون أن نظرات شزراء خفية توجه إليهم خلسة دون غيرهم من الأجانب والزنوج فيزداد سخطهم.
لم يكن الدخان ينطلق من أي موقد وهم الذين يتمنون أن يتشمموا أريج الخبز، يتشممونه فقط ليدل على وجود أناس يتحركون في هذا الخلاء غيرهم.
إنهم يقادون صوب المغامرة والمجهول.
إنهم يدفعون إلى نقاط ساخنة قد لا يعودون منها أبدا.
إنهم يقذفون إلى معارك خاسرة لا يجنون منها ربحا.
إنهم يبحرون إلى مرافئ باردة لا تمنح دفئا.
وانتابت “حمادي” نوبة غضب تفجرت في حنايا صدره؛ فانتفض منقلبا من فوره، واتجه نحو صخرة في الطريق اقتعدها وأطرق منكس الرأس.
رمقه الحارس بحنق واكتست ملامحه القسوة، فارتد نحوه بعصبية وأشهر المسدس في وجهه وصاح فيه وهو يشير بيد مرتعشة نحو قافلة الجند.
ظلت سحنة “حمادي” محتفظة بملامحها المتجهمة، بينما العسكري يصيح بغضب وقد اتقد غيظ شرس في عينيه.. وتفتحت أبواب الجحيم حين انهالت عليهم قذائف لم يعرف مصدرها فأسرع الجميع يختبئون لكي لا تصيبهم قذائف الثوار.
الليلة سيبيت في العراء حارسا، وستكون أبأس لياليه ليس فيها غير الضوء الخافت المنبعث من خيمة القائد والصمت الموحش والبرد القارس، رفع رأسه المتعب نحو السماء فرآها سوداء قد انطفأت كل نجومها، أعاده إلى واقعه هبوب رياح قاسية تنذر العظام؛ فأخذ يحوم في هذا الصقيع المقفر بخطى قوية ثابتة، فجأة التمعت في ذهنه كل الصور التي تملأ الخاطر وتهز الوجدان فأخذت ذاكرته تركض نحو مراتع الطفولة ومغامرات الشباب، لكم هو ضائع هنا ووحيد، وحيد.. وتسلقت الحيرة صدره وخنقه الأسى؛ فتحرك كل الغل الذي يسكن صدره، وقبل أن يتمكن من إدراك ما يستقر في وعيه، وجد نفسه يصرخ بلا صوت:
وما شأني أنا بحملة مثل هذه؟ ما شأني أنا بحرب الريف؟
إلى متى يظل المسلم يقاتل المسلم على هذه الأرض البائسة؟
لقد جمعوا لها العدة والعتاد والخيل، وجندوا لها أمهر المحاربين المتدفقين حيوية وإقداما، ولكن لأجل من كل هذا؟
تمنى لو يطير من هذه الأرض، لو يعانق السماء، لو يسكن السحاب، ولو يغير وضعه التعيس. أحس بالنار تسري في دمه، تلتهم بقايا أحلامه، فيتصاعد نبضه وتعلو أمواج رفضه. دهمته رغبة قوية في الهرب، وجمحت الرغبة في صدره، فقصد نحو مربط الخيل وفك قيد أحد الجياد، واعتلى صهوته وانطلق كومض خاطف متدحرجا فوق الجليد ينهب المغارات والمسالك والشعاب، ينفتل يمينا وينعطف يسارا، يسقط، ينهض وهو يحاذر أن يقع في أيدي هؤلاء أو أولئك.
دخل المدينة ليلا فراعه سكونها الموحش، مشى بخطوات وئيدة في طرقات مقفرة لم تقع عيناه خلالها على كائن يتحرك، حث خطاه نحو البيت وقد أطرقت الأحياء كلها صامتة.. عاد الوجه المغيب وومضٌ مرعبٌ يشع من عينيه:
– ها قد جئت.. قال لزوجه إذ فتحت له الباب، وأسرعت المرأة تعلن عن خوفها:
– ولكن الشرطة تداهم البيت ليلا ونهارا بحثا عنك.
وغص بقهره فرمقها بنظرة جانبية وحرك رأسه.
– وأين كنت طوال هذه الفترة؟
– في إحدى المغارات.
– لقد تحروا عنك في كل الأماكن التي كنت ترتادها.. قالت وهي تقوده نحو غرفتها، اقتعد فراشه وأخذ يدير عينيه ببلادة في أرجاء الغرفة.
– ولمَ لا تسلم نفسك؟
وكأنها داست على جرحه البليغ، فقد نفضته رعشة اهتز لها كامل جسده. أشعل لفافة تبغ، سحب منها نفسا، ثم قال بصوت جاف: لقد تخليت عن حراسة المعسكر ليلا، وهربت.
نهض واتجه صوب المرآة، تأمل وجها شاحبا هدّه الإعياء فتداعى على الفراش منهكا، وأخذ يحدق في الجدران، واجتاحه إحساس بالقهر، فهمّ بأن يتكلم ولكنه لم يجد ما يقوله فسكت.
جو البيت خانق كجو المغارة، قال وهو ييمم صوب مقهى البحارة في آخر الليل.
كان يحتسي قهوته بهدوء حين اقتحمت المقهى مجموعة من رجال الشرطة، وخيم على الجميع صمت كثيف، والرجل ينفث دخان سيجارته ويشيح بوجهه عنهم، اتجه نحوه الضابط بخطى ثابتة: أين كنت كل هذه المدة؟
اتقدت عيناه بجنون مغابي: في مصح للأمراض العصبية.
– عرفت أنك مطارد طبعا؟
– أخبرني الأهل حين عدت.
– ومع ذلك لم تسلم نفسك؟
– لقد جئت للمقهى لأسهل لكم مهمة اعتقالي.
غادر الزنزانة، وحزن مريع يملأ نفسه، فلقد تهدلت كتفاه، وغزا الشيب شعره واسودّ وجهه، فبدا مهدودا لا يطربه صوت، لا يحركه جمال، لا تغريه متعة، وترتجف أعماقه من الألم لأنه لم يستطع أن يغير في الحياة شيئا وهو يمر بتلك الأوقات العصيبة التي لم تزدد إلا صمتا وقد رأى الكثير من الأهوال في هذه المرحلة الشاقة من حياته.
كان الناس ينظرون إليه بعيون الحسرة وهو يدير عينيه ببلادة في كل الأرجاء، تداعى على أول مقعد صادفه حين دخل البيت، كان البعض يمسحون بعيونهم وجهه محاولين فهم ما ينوي فعله، وبعضهم يبحلقون فيه بعيون ذاهلة يتقد فيها الفضول، والبعض الآخر يراقبون كل حركاته وسكناته، وهو ذاهل عنهم يدخن سيجارته بهدوء.
لقد عاد مدمرا، فمَا الذي دمره؟ رفعت زوجته نحوه وجها محزونا، ورمقته بنظرة يأس ووجع وقهر، وجالت الدموع في عينيها فأسقطت دقنها على صدرها وغصت بريقها فلم تنطق.
مال الرجل إلى العزلة والانطواء، حتى أنكر الناس، وصار كمن فقد عقله، يدخل البيت ليخرج ممعنا في الصمت، وقد أطلت من عينيه نظرة غامضة لا تشجع أحدا على محادثته، وصار يتغيب عن البيت لساعات طويلة تحولت إلى أيام.
وانشق الباب ذات صباح عن حيوان منكسر متهدل الأذنين لم يره أحد حين دخل غرفة “بوعزيز”، طاف جوانبها وتشمم زواياها وخرج، وبمجرد أن توسط فناء الدار حتى أخذ يقلب عينيه الكبيرتين في كل الوجوه، ثم أرسل عواء موجعا نحو السماء وأولى الجميع ظهره وهوى على الأرض.
– إنه كلب.. قال أحد الجيران.
– بل ذئب صحح الآخر.
واندفع الجميع نحوه محاولين إخراجه، ولكنه هب واقفا ورفع نحوهم عينين شرستين وهو يثبت قوائمه بالأرض.
وأحضر أحدهم عصا واتجه نحوه، فتحفز الحيوان متأهبا للعراك، ولكن الشاب عاجله بضربة على رأسه، فهاج ساكنه وانقض على العصا، فأطبق عليها بين أسنانه وحين ألقاها انتفض وحدجه بنظرة مسعورة.. كان قادرا على الفتك به، فما الذي منعه؟ وعنت لأحدهم فكرة:
لعله جائع، وربما إذا شبع انصرف عنا.. قال ذلك وهو يقدم له طعاما.
ولكن الحيوان رمقه بنظرة جانبية حذرة، ثم انكمش حول نفسه دون أن يلقي على الطعام نظرة واحدة، وبغتة، تدفق على البيت جمع من الأقارب والمعارف والجيران ينعون “بوعزيز” الذي عثر على جثته عائمة بين الصخور، وارتفع العويل والعواء معا.
ورغم أن كل من دخل الدار تصطدم عيناه بذلك الحيوان ويستولي عليه شعور بالغرابة، إلا أنهم كانوا منشغلين عنه ينتظرون وصول الجثمان من المستشفى.. وتجاهل الحيوان فضول ووقاحة بعض المعزين مستسلما للصمت والحزن محدقا نحو الأرض.
اقتنع الجميع أن قوة خفية قادت هذا الوحش الذي استنكر الجميع تواجده في الأول، ثم صارت عيون المعزين تعبره بدون اهتمام، وهو الذي أمضى ثلاثة أيام بلياليها دون أكل أو شرب أو نوم.
ما إن أدخل النعش باحة الدار لإلقاء النظرة الأخيرة عليه حتى انتفض الحيوان واهتز اهتزازا منكرا، ثم استجمع قوائمه وتبع الحشد نحو المقبرة.