الذئب وتجلياته في الشعر العربي القديم

الذئب وتجلياته في الشعر العربي القديم

سعد عبد الرحمن

اللوحة: بابلو بيكاسو

مقولة إن “الشعر ديوان العرب” في الواقع ليست مقولة مجازية كما يتعامل معها بعضنا ، فقد كان الشعر بالفعل منذ أن ظهر في العصر الجاهلي و لعدة قرون من الزمن بعد ذلك هو وسيلة الإنسان العربي لتصوير و تسجيل كل شيء يراه و يسمعه و يشمه و يلمسه و كل ما يفكر فيه و ما يعتقده ؛ و كان الشعر من أهم وسائله و أدواته في نقل معارفه و عاداته و قيمه المتوارثة إلى الأجيال التالية ؛ حتى أساطيره و خرافاته و تخيلاته و أوهامه ، و قراءة الشعر العربي لا سيما في عصور نهضته و ازدهاره قراءة متأنية متأملة تتيح لنا معرفة الكثير عن حياة الإنسان العربي في بيئته التي عاش فيها و أغلبها بيئة صحراوية كان يتنقل فيها من هنا إلى هناك وراء مساقط الأمطار و منابت الكلأ .

وتمتلئ قصائد الشعر العربي في تلك الأزمنة بالحديث عن الكثير من حيوانات الصحراء ووصفها سواء المستأنسة منها مثل الناقة والحصان والكلب وغيرها، والمفترسة كالأسد والضبع والثعلب والذئب وغيرها.

وقد حظي الذئب في تاريخ الشعر العربي بعدد كبير من النصوص كان هو محورها أو موضوعها الرئيسي، وبعض هذه النصوص يسطع من حيث قيمته الوجدانية إلى مستوى عال من المثالية الإنسانية ويحلق من حيث قيمته الفنية إلى آفاق رحبة وذرى باذخة من الجمال والجلال، وقبل أن ندلف إلى عوالم بعض تلك النصوص ينبغي أن نتعرف قليلا على هذا الحيوان ونلم ببعض المعلومات المهمة عنه.

” الذئب ” بشكل عام حيوان ثديي لاحم ينتمي من حيث النوع إلى ” الكلبيات ” و كشف علم الأركيولوجي “الحفريات” عن أن الذئب وجد على الأرض منذ أكثر من 300 ألف سنة أي أنه كان ضمن الأحياء التي أفلتت من كارثة الانقراض الجماعي التي وقعت في نهاية العصر الجليدي الأخير ، و من سماته انه حديد السمع و البصر ، ذو حاسة شم قوية ، شرس ، عصي على الاستئناس ، كثير الحركة فلا يطيل الإقامة في مكان واحد ، له أرجل طويلة و فكان قويان ، لا يأكل الجيف ، ذو قدرة كبيرة على تحمل الجوع ، و قد ذكره الجاحظ في موسوعته ” الحيوان ” فقال: إنه لا يعرف إلا اللحم و أنه يصطاد الحيات ، و الذئب يستطيع العدو لساعات طويلة ، اجتماعي أي يعيش في بيئته على شكل قطعان ، و من سماته أيضا الذكاء الحاد و القدرة على التنظيم و التخطيط ، بعض فصائله يصل طول الواحد منها إلى حوالي المترين و طول ذيله إلى نصف المتر و ارتفاعه ما بيت ستين إلى خمسة و ثمانين سم و وزنه إلى ثمانين كجم .

تتعدد فصائل الذئب بحسب البيئة التي يوجد فيها وأهمها فصيلتا الذئب الرمادي واسمه العلمي

(CANIS LUPUS )  والذئب الأحمر ، و الأولى هي التي ينتمي إليها الذئب العربي أو بتعبير أكثر دقة الذئب الذي يعيش في الصحراء العربية ، و ما يميز الذئب العربي عن سائر ذئاب فصيلته الرمادية أنه صغير الحجم ، قليل الوزن ؛ له أذنان كبيرتان بالقياس إلى حجمه ، و لا يعيش كسائر الذئاب في شكل قطعان في الأغلب الأعم إلا خلال فترة التزاوج ، و صوت الذئب يسمى “عواء” و الفعل منه ثلاثي معتل الوسط و الآخر أي “لفيف مقرون” ، تقول : عوى الذئب يعوي و اسم الفاعل ” عاو ” و منه قول الأحيمر السعدي :

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى

وصـــــوت إنســــــــــــان فكدت أطير

للذئب تجليات كثيرة في الميثولوجيا والأديان والحكايات الشعبية وحكايات الأطفال ومن أشهر تلك التجليات:

قصة نبي الله يوسف وإخوته وقد ورد في سفر التكوين أن “بنيامين ذئب ضار”، وحكاية الذئب والعنزات الثلاث ، وحكاية الذئب والحمل ، وقصة ذات الرداء الأحمر (من حكايات الأخوين جريم) ، وحكاية الأعرابية التي ربت الذئب وحكاية أهبان الذي كلمه الذئب (من حكايات التراث العربي)، وذئب الإله “أنوبيس” عند قدماء المصريين ، والذئب في أسطورة آل أسينا التركية، والذئبة المرضعة في أسطورة ريموس وأخيه رومولوس مؤسس مدينة (روما)، والذئب الإله الحارس لمدينة أسيوط (مصر)، وثمة حكايات كثيرة بطلها أو أحد أبطالها الذئب في خرافات الحكيم اليوناني إيسوب وحكايات كلية ودمنة لابن المقفع وأمثولات الشاعر الفرنسي لافونتين وغيرها، وفي الشعر العربي منذ العصر الجاهلي تجليات كثيرة وشتى لهذا الحيوان المفترس.

والذئب من الحيوانات التي اعتاد الإنسان العربي رؤيتها والتعاطي معها في بيئته الصحراوية القاسية فقد استطاع أن يحيط بكثير من صفاته و سلوكياته ومنها ما كان يعده العربي من الصفات والسلوكيات الإيجابية التي تستحق المدح والإشادة مثل الجرأة والشجاعة والذكاء واليقظة والحذر والقدرة على تحمل الجوع والأنفة والترفع عن أكل الجيف ومن ذلك قولهم في الأمثال ويراجع في ذلك “مجمع الأمثال” للميداني و”حياة الحيوان” للدميري : أجرأ من ذئب و أنشط من ذئب و أحذر من ذئب و أخف من رأس ذئب و أبر من ذئبة (في علاقة الذئبة بجرائها)؛ و منها ما يعده العربي من الصفات و السلوكيات السلبية التي تكره فتذم و يحذر منها مثل الغدر و الخبث و العقوق و من ذلك قولهم في الأمثال: أغدر من ذئب و أخبث من ذئب و أعق من ذئب ( في سلوك الذئاب مع من جرح من رفاقها )، و في هذا السياق يشبه طرفة بن العبد شخصا بالذئب فيقول :

فتى ليس بابن العم كالذئب إن رأى 

بصاحبه يوما دما فهو آكله

ويخاطب الفرزدق أحد مهجويه معيرا إياه بأنه كان كالذئب في التجرؤ والفتك بأصحابه قائلا:

وكنت كذئب السوء لما رأى دما 

بصاحبه يوما أعان على الدم

وقولهم : من استرعى الذئب فقد ظلم ؛ و في الحديث الشريف : “ما ذئبان عاديان أصابا فريقة غنم أضاعها ربها بأفسد فيها من حب المرء المال والشرف لدينه” ، و في الحديث الشريف أيضا : “إياكم و الفرقة؛ إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، و من ذلك أيضا قول المعاصرين : إذا دعيت إلى مأدبة الذئاب فاصحب كلابك معك ؛ و قولهم أيضا : من لم يستذئب أكلته الذئاب، وما زال الذئب حتى الآن ملهما للإنسان في الأدب و الفن فنجد اسمه يتردد في أعمال أدبية وروائية وسينمائية كثيرة أجنبية وعربية مثل : موت الذئب (قصيدة لألفريد دي فيني) والذئب ( قصيدة لأنسي الحاج ) و في حضرة الذئب ( قصيدة لأحمد دحبور ) ، وكونشرتو الذئب ( ديوان لهاشم نديم ) و ذئب الأربعين ( ديوان ليوسف عبد العزيز ) و ذئب البراري ( رواية لهيرمان هيسه ) و ذئب البحار ( رواية لجاك لندن ) و الذئب الهرم ( قصة رمزية قصيرة لجوتهلد إفرايم لسنج ) و عندما تشيخ الذئاب ( رواية لجمال ناجي ) و ضجر الذئب ( ديوان ليوسف أبو لوز ) و لن أرقص مع الذئاب ( ديوان ليحيى عمارة ) و ذئب المضارع ( ديوان لنضال برقان ) و عواء الذئب ( ديوان لعلي فودة ) و مثل ذئب أعمى ( ديوان لأسامة الدناصوري ) ، و ذئاب لا تأكل اللحم ( فيلم عربي من إنتاج 1973 ) و ذئاب الجبل ( مسلسل تلفزيوني عربي من انتاج 1992 ) و الراقص مع الذئاب ( فيلم أمريكي من إنتاج 1990 ) و الذئب الأبيض ( فيلم كارتون أمريكي من إنتاج 1993 ) و الذئب المحارب ( فيلم صيني من إنتاج 2015 ) ، و ثمة عشرات بل مئات النصوص الشعرية و النثرية و الأعمال الفنية يرد فيها اسم الذئب و بعض أوصافه و سماته السلوكية و أغلبها يجيء على سبيل الرمز ، و يجمع اسم ” الذئب ” على ذئاب ” و ” أذؤب ” و” ذؤبان ” و هذا على سبيل التمثيل لا الحصر ، و يصف العرب الذئب بأنه “كلب البر” و يشبهون لصوصهم من طوائف الصعاليك و الخلعاء و الفتاك بالذئاب لذلك كانوا يلقبونهم بـ “ذؤبان العرب” كما يشبهون الريح عندما تهب من كل جانب به فيقولون ” تذاءبت الريح ” أي فعلت فعل الذئب حين يعسل في مشيته ( أي يمشي مضطربا ) ، و قد خلع العرب على الذئب عدة ألقاب و كنى مثل أوس و أويس و سرحان و السيد و العملس و العسال والأزل و الأطلس و الأطحل و ذؤالة و أبو جعدة و أبو كاسب و أبو مذقة و أبو ثمامة و غيرها و بعضها كما هو واضح مشتق من صفاته التي خبروها فيه ، و كانوا يسمون أبناءهم ببعض أسمائه ” ذئب و ذؤيب و أوس و سرحان ” و هكذا.

 وقد ورد اسم الذئب صريحا في كثير من الأشعار من مثل قول الراجز:

حتى إذا جن الظـــــــــلام واختلط 

جاؤوا بمذق، هل رأيت الذئب قط؟

ومثل قول الفرزدق في إحدى قصائده:

بيت يرامي الذئب دون عياله 

ولو مات لم يشبع من العظم طائره

ومثل قول ذي الرمة في هذا البيت:

به الذئب محزونا كأن عواءه 

عواء فصيل آخر الليل محثل

ومثل قول ابن الرومي في إحدى قصائده:

وشاعر أجوع من ذئب 

معشش بيــــن أعاريب

ويذكر عمرو ذو الكلب الهذلي الذئب باسم ” أويس ” حيث يقول:

يا ليت شعري عنك والأمر أمم 

ما فعل اليــــــوم أويـــــــس بالغنم

وفي معلقة طرفة بن العبد يذكر الشاعر الذئب بلقب ” السيد ” حيث يقول:

وكري إذا نادى المضاف محنبا 

كسيـــــد الغضا نبهتـــــــه المتورد

ويشبه طفيل الغنوي حصانه بالذئب فيذكره أيضا بلقب ” السيد ” حين يقول:

كسيد الغضا الغادي أضل جراءه 

علا شرفا مستقبل الريح يلحب

وقد ذكر امرؤ القيس الذئب في معلقته باسم ” سرحان ” مع الإشارة إلى شكل من أشكال عدوه حيث يقول في سياق وصفه لحصانه:

له أيطلا ظبي وساقا نعامة 

وإرخاء سرحان وتقريب تتفل

وقد رد بالبيت أربع صفات جيدة يذكرها الشاعر لحصانه منها أنه يعدو عدوا هادئا مسترسلا يشبه عدو السرحان أي الذئب.

ويذكره الصعب بن علي الكناني من خلال ثلاث صفات من صفاته هي ” أزل؛ أطلس؛ ذو نفس محككة ” والأخيرة تعني تكراره حك جلده وربما تعني كثرة حركته أي عدم استقراره على حال حين يقول:

أبلغ فــزارة أن الذئب آكلهم 

وجائع سغب شر مـــــن الذيب

أزل أطلس ذو نفس محككة 

قد كان طار زمانا في اليعاسيب

ويذكر أعرابي الذئب من خلال مجموعة صفات يعرف بها هي خبثه أي دهاؤه وسرعة عدوه (عينه فراره) ولونه الأطلس الرمادي وسرعة فتكه وقوة افتراسه (في فمه شفرته) وأن البهم هي فرائسه المفضلة:

هو الخبيث عينه فراره 

أطلس يخفي لـونه فراره

في فمه شفرتــه وناره 

بهم بني محارب مزداره

ويذكر الطرماح الذئب بشكل غير مباشر من خلال بعض صفاته مثل اعتياده الحياة في القفار (أخو قفرة) وتحمله لظروف المناخ والجوع (يضحي بها ويجوع) فيقول:

تأوبني فيها على غير موعد 

أخو قفرة يضحي بها ويجوع

ويذكره الأخطل من خلال بعض صفاته (أطحل، أخو مرة، بادي السغابة) حين يقول مصورا فتك الذئب بشاة حبلى:

يشق سماحيق السلا عن جنينها 

أخــــو مرة بادي السغــابة أطحل

إن الذئب – كما سبق أن ذكرنا – محور نصوص شعرية كثيرة أو موضوعها الرئيسي وتنتمي تلك النصوص إلى عدة عصور بدءا من العصر الجاهلي ومرورا بعصر صدر الإسلام والعصر الأموي حتى العصر العباسي، وكل نص منها يصور علاقة الشاعر صاحب النص بالذئب من زاوية أو عدة زوايا معينة، وقد اخترنا جملة من أهم تلك النصوص يمكننا أن نتعرف من خلالها على بعض مظاهر تجليات الذئب في شعرنا العربي القديم.

وهو ما سنتناوله في مقالات قادمة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.