محمود الغنام
اللوحة: الفنان الأردني محمود صادق
- الحلوى! من يشتري الحلوى؟
يتشبث بباب الحافلة ويجذب جسده النحيل من بين الزحام، يتفادى الاصطدام حتى لا يوبخه الواقفون، يمر بمهارة بين الأجساد المتراصة متفلتا من نظرات الاحتقار والتربص.
- الحلوى! من يشتري الحلوى!
يحمل صندوقه الورقي عاليا فوق رأسه الأشيب، يقبض عليه بأصابع يديه الناحلتين، ينزلق قميصه لأسفل فتظهر عظام يده ناتئة وعروقها بادية، يسحب من صندوقه قطع حلوى مغلفة ويلقي على أفخاذ الجالسين وينادي دون روح:
- الحلوى! من يشتري الحلوى!
يرمق موظف التذاكر بجانب عينه يجمع المال من الركاب، يعبر من جواره بحذر مخافة أن يغضبه، حين يصل إلى نهاية الحافلة يعود متفلتا بين الواقفين المستعدين للانفجار؛ لجمع ما ألقاه، ممنياً نفسه بأن تغري حلواه أحد الجالسين لتذوق القطعة الملقاة في حجره، لكن لا أحد يشتري الحلوى! هل سيعود كل يوم بصندوقه، لم يبع قطعة واحدة؟ يغضب مموله لأنه لا يبيع كما يفعل الآخرون! الجميع تنفد بضاعته في دورة من يوم وليلة، بل ربما عاد عصرا ليحصل على بضاعة أخرى بعد نفاد حصته اليومية، أما هو فيعود بصندوقه تاما كما تسلمه صباحا.
لم يخبره أبدا بأنه لا يتحرك كالآخرين بين حافلة وأخرى ويدور ليسوّق لبضاعته، إنه يركب الحافلة ذاتها صباحا ويعود بها مساء، لكنه لا يخبره أبدا لئلا يطرده، لم تكن الحلوى أول بضاعة يحملها في الحافلة اليومية! جرب من قبل ترويج البطاريات على الزبائن، لكن من يشتري بطارية وهو ذاهب إلى عمله صباحا؟ فسر للتاجر إخفاقه في بيعها، حاول ترويج أمشاط بلاستيكية وإبر حياكة لكن سوقها لم تسر كما تمنى؛ إذ تركب السيدات غالبا سيارات أجرة تفاديا لزحام حافلات الصباح، الولاعات أنقذته من الطرد مرة، باع منها واحدة ذات صباح ربيعي فامتلأ أملا، لكن التاجر سحب منه الصندوق في المساء؛ لأنه لا يحافظ على الغاز من عبث الركاب، فكر كثيرا في تدبير مبلغ يشتري به صندوقا يكون بداية استثماره في هذا العمل، لكن أسبابا كثيرة منعته، ماذا يقول لزوجته وأولاده حين يسألونه عن الصندوق؟ كيف سيتحدث الجيران عند خروجه صباحا بالصندوق وعودته به مساء؟ يخمد الفكرة في رأسه كل مرة يوبخه فيها مموله، ويحذره بقطع رزقه إن لم يجتهد في تصريف ما يحمله! كبرت سنه ولم يعد الاحتكاك بالركاب حاملاً صندوقا عملا يسيرا، لا أحد يراعي حالته الصحية، من هو في مثل سنه يقوم له الشباب في الحافلة ليجلسوه، لكن لا أحد يقوم له، لا يريد من أحد أن يقوم ويجلسه؛ فهو يستطيع التحمل، لكن الصندوق يرهقه، فقط لو استطاع أحد أن يحمل الصندوق من بين يديه ليرتاح واقفا يلتقط أنفاسه، لكن لا أحد يعرض، فيتحامل ويرفع صندوقه على كتفه تارة وعلى رأسه أخرى.
ذات صباح كانت الحافلة محتشدة بركابها، أصر على استقلالها؛ فليس ثمة خيار، دفع جسده بين الواقفين، فصده الزحام عن التشبث بالباب، حال راكب من الخلف دون سقوطه على الرصيف، حمد الله على أنه حي لا يزال، لو سقط لتفتتت عظامه اليابسة، تشبثت يده بصندوقه كالحديد، لو أفلته فلن يرحمه التاجر، رأى أحد الواقفين حيرته وشيبته فرحمه، جذب الصندوق من يده، ليحمله عنه حتى يستقر في وقفته، تركه له وعيناه تفيضان امتنانا، وهو يحاول التفلّت من زحام الباب الخانق، قبل أن يصعد كان موظف التذاكر على الباب يطلب ثمن الركوب، أسقط في يده، ليس معه الصندوق الذي يهرب به يوميا من دفع ثمن تذكرة الركوب، ليس معه، هل سيدفع؟ من أين؟ إنه عامل بالكاد يتقاضى شهريا ما يستر أسرته أو يكاد، ابتكر حيلة الصندوق منذ زمن ليوفر ثمن التذكرة، الباعة الجائلون لا يدفعون! لهذا السبب فقط حمل الصندوق! مرت سنوات لم يطالبه موظف التذاكر بأن يدفع؟ نسي أن يحمل مالا، يذهب لعمله صباحا ويعود مساء دون تكلفة، رضي بألا يشتري أحد من صندوقه شيئا لأيام، هذا لا يزعجه، البيع عمل ثانوي ونسبته فيه ضئيلة لأبعد حد، لكنه لا يقدر على تحمّل ثمن تذكرة الركوب، سيهينه الموظف، لن يصدّق أنه بائع متجول دون صندوقه، بل ربما يكشف حيلته ويعرف مغزاها، لا يتحمل الإهانة ولهذا لم يفكر في التسول! ألقى نفسه خارج الحافلة، سقط فوق الرصيف الخشن، وعلى مقربة منه ألقى فاعل الخير الصندوق!