صرة ومسافة وعلم

صرة ومسافة وعلم

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنانة الكويتية هاجر عبد الرحمن

تسير مكفنة داخل الجلباب الأسود، والشمس فوقها تصب صهداً، يتفاعل معه جسدها الضئيل، فتنفث مسامه ماء، وبين الفينة والأخرى ترفع يدها، تمررها علي جبينها، فتبتل، وإذا ما خفضتها، مسحت البلل في الثوب المترب، الفاقد لونه.. 

الركب أمامها: صبية بعود ممشوق، يتعارك ردفيها تحت طرحة سوداء مع كل خطوة تخطوها، تسير جنباً إلي جنب مع شاب بيده لفة، ضخم البنية، يتهدل طرفي كوفيته علي صدره العريض. لا يفوته أن يلوى وجهه وقد رُسمت فوقه أشرعة الغضب، ويحث العجوز أن تمد خطواتها، تصلها كلماته واضحة، فتقول “حاضر”.

تحاول مد خطواتها، للوصول إليهما، ولأن المسافة بينها وبين الصبية والشاب بعيدة، يصبها نوع من الخيبة، فتضيق المسافة بين خطواتها، وتلتفت لبعيد، تعانق المبني والعلم المرفوع فوق الصاري فتبتسم، ويهتز بدنها وتزاوج بين جفونها، سواد مطبق يتراءى لها والدماء تلطخ وجهه، تنتفض خائفة فتفض التزاوج، وتكاد تفقد اتزانها، يتلقفها شاب من بين الجماهير الهادرة، عيناها تأتي في عينيه وتقول: 

ـ ربنا يحميك يا وليدي. 

يتجاوزها الشاب، وتنادى: 

ـ مش كنا جبنا صورة ليه.

صوتها ضعيف، هامس، وحدها تعرف مداه والمسافة التي يقطعها ليصل لمن تريده، وكذلك توقن أن المسافة الفاصلة تحول دون سماعهما ما تقول، لذلك فهي تنتظر التفاتة أو لوية عنق من أي منهما، فتستنجد بهمس الشفتين، فمن يدري قد تصل رسالتها.. 

تنظر، أمامها الكوبري القصير، أو كما يسمونه قناطر، بعدها انحناءة جهة الشمال، حيث يولد شارع الترعة المقسوم إلي حارتين، إحداها خالية، يرابض فيها حراس وعربات وكتل حجرية كمتاريس، والحارة الأخرى ضيقة بالكاد تكفي لمرور السيارات، التي تسير ببطء تحت إلحاح الأجساد المتلاصقة، وهناك تحت الأشجار المتشابكة أغصانها، ممشي صغير تقطعه الأقدام.. 

 ـ مشوار يا ريته يطول. 

تقول، وتسترد عينيها من فوق قمم الأشجار، لتلقى بهما علي الصبية والشاب الممسك باللفة التي ينقلها من يده اليمنى إلي يده اليسرى، تترك اللفة، وتعانق الصبية، السائرة بثبات، وتراها وهي تلم طرفى الطرحة، تسيج وجهها، ولا تترك منه إلا المساحة المحيطة بالعينين الواسعتين، ولتسدل علي ظهرها لتستقيم مع استقامته، وتنحدر فوق كفلين رهيفين، يتراقصان تحتها، تفارق الردفين، وتفكر: ” لم تسعد بها، شهر واحد بس، وخرجت، رحت وسبتها. 

تسكت، ثم تنظر فإذا شاب وفتاة في يدها نفس العلم الذى خرج به يركضان، وخلفهما عدد هائل من أندادهم يرددون: الشعب يريد، حينما يوازون ركبها الصغير، تجعل عينيها في المنطقة الفاصلة بين رأس الملفوفة بالطرحة، والشاب السائر بجوارها، تلمحها وهي تهمس له بكلمات، وتلوى عنقها، تشاور لها، تطلب منها أن تلحق بهما، تهز رأسها، وتقرر أن تمد خطواتها، بينما الصبية والشاب يدوسان علي بداية الكوبري.. 

تعطي الأمر لقدميها لتلحق بهما، مع أول خطوة، تفر فردة الحذاء من قدمها اليمنى تحت وطأة بلل العرق، تميل بجذعها، تلتقط فردة الحذاء، تلمح قمم أصابع القدم محناة بعروق من التراب المعجون بالماء، تقول “مفيش فايدة” وتخلع الفردة الأخرى، تشعر بحرية، وبعزم ما لديها من قوة تهرول في خط مستقيم خلف الممسك باللفة التي تغيّر شكلها وهي تنتقل من يد إلى أخرى، تلمح لسان من قماش الكتان وكذلك الساتان المخطط.. تري وتغمغم: 

ـ يا حسرة قلبي عليك.

وتحدق بما لديها من قوة إبصار في الفرجة التي طل منها لسان القماش، تجد عنق زجاجة العطر الرخيص قد أخذت طريقها للخروج، فتطلق صوتها صارخة في حامل اللفة: 

      ـ حاسب.. حاسب.. حاسب 

يرتبك، تهتز اللفة، فتلفظ الزجاجة لتقع مهشمة على الأرض علي الفور تتسمر الأقدام، وتسافر ست عيون، تقف علي السائل المراق بينما العلم مستمر في الحركة، تلمحه فتطوى الحذاء تحت إبطها وتبتسم له.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.