د. عبد الكريم جبل
اللوحة: الفنان العراقي جميل حمودي
في عصر الخميس الفائت (١٦/٧/٢٠٢٠) ألقى العالم الجليل أ. د أحمد شوقي بنبين محاضرة بعنوان (التحقيق العلمي بين الشرق والغرب). وهي المحاضرة التي نظمها معهد المخطوطات العربية، وأدارها العالم المبجل أ. د فيصل الحفيان (مدير المعهد).
وكان مما قاله العالم الجليل في محاضرته هذه انه (يعتقد جازما) أن كلمة الكراسة – أو الكراس- هي الكلمة اللاتينية (كوديكس) codex بمعنى لوح الخشب. أي ان كلمة (الكراسة) قد تحدرت منها كما يفهم من كلام فضيلته.
وأرى أن هذا الرأي محل نظر؛ لأسباب.. منها:
أولا: أن الشوط بطين بين البنية الصوتية لكل من الكلمتين: فهما لا يتوزعان إلا صوت الكاف في المستهل، ثم لا شيء بعد ذلك؛ فكيف يسوغ صوتيا أن تتحول (كوديكس) إلى (كراسة) على ألسنة أهل العربية؟
ثانيا: ان كلمة (الكراسة) ترجع الى جذر ذي تتابع صوتي تقبله البنية الصوتية لجذور العربية (ك ر س).
ثالثا: ان هذه الكلمة قد جاءت على احدى الصيغ الصرفية المقررة التي تنتظم مفردات العربية، وهي صيغة (فعالة) بضم الفاء وتشديد العين. ومن امثلتها: النشابة، والدوامة.
رابعا: ان معنى كلمة (الكراسة) يتوافق مع معاني استعمالات (ك ر س) الاخرى، التي تدور جميعا حول دلالة محورية واحدة، هي: (تراكم الشيء طبقات حتى يعلو). ومن هذه الاستعمالات التي وردت في اللسان والتاج: (الكرس) – بكسر الكاف وسكون الراء-
وهو ما تلبد من بعر الإبل والغنم بعضه فوق بعض(طبقات)، على نحو ما يعاين في معاطنها. والقلادة (المكرسة)- بضم الميم وفتح الراء المشددة- وهي التي تتألف من عدة خيوط متضامة تنتظم خرزا او نحوه. فهي قلادة ذات طبقات او (ادوار).
وعلى هذا صرح بعض ائمتنا ان كل ما جعل بعضه فوق بعض فقد كُرّس، وتكرّس هو. ومن هذا نقول: كرّس فلان جهده، أي: كثّفه (بذله مرة بعد مره). ومن هنا جاءت (الكراسة)، وهي الجزء من الكتاب، او نحوه، كما عرفتها معاجمنا القديمة. فهي اوراق متجمعة بعضها فوق بعض كالطبقات.
خامسا: ان الفصل المعجمي للكلمة- وهو الكاف والراء- يتضمن معنى (التكرار) كما لا يخفى. وهو المعنى المتحقق بإحدى صوره في التراكم طبقة فوق طبقة في (الكراسة).
سادسا: وردت الكلمة في شواهد عربية شعرية ونثرية تضمنتها بعض المعاجم والدواوين.
سابعا: ليس هناك ما يمنع حضاريا من عروبة الكلمة؛ فقد كانت الكتابة معروفة لدى العرب وان لم تكن شائعة بينهم، كما هو معروف ومقرر.
وبعد، فان من وراء كل عنصر مما سبق تفصيلات جمة، ليس هذا موضعها. وإني لأرجو ان يكون فيما اجتزأت بذكره ما يكفي للبرهنة على عروبة (الكراسة): جذرا، وصيغة، ومعنى. والله الموفق والعاصم من زلات القلم، وطغيان الفكر.