أحمد فاضل
دائماً ما تترك القصيدة انطباعاً قوياً لدى المتلقي، إذا كانت تحمل صوتاً واضحاً لا هوادة فيه، يعبر عن حالة الشاعر كإنسان – يؤثر ويتأثر – بمحيطه، ففي حالة “لا ذنب لي” نص الشاعرة حنان عبد القادر، يبدو التأثر قائماً على وحدة الحرف – الراء – الذي بنت الشاعرة عليه معظم حروف قصيدتها، وظفت من خلالها كلمتان جمعت فيهما وببراعة صوتاً شعرياً يكاد يكون خليقاً بمعناه الواحد، مع أنهما كلمتان تعبران عن مشهد الحب والحرب اللذان قد يلتقيان، أو لا يلتقيان:
ما بين الحرب والحب حرف
والبون بينهما كفيل أن يبيد الكون
في ضغطة زر
ما بين الحرب والحب حرف
يستطيع الخلق أن ينسجوا من رأسه رئة
ومن رهافته ربابة
يرددون على أوتارها رنيم رضا
ويرقصون كما رقصت رشا بين الربا
حين يحضنها الأمان
الشاعرة حنان هنا تبدو غاية في التمكن من تحويل حدث ما بإعادة تصور مشهد، واكتشاف الأفكار الخاصة الأصيلة والقوية التي تحتويها تلك اللحظات دائماً، فكل ما حاولته يكفي لتشكيل شيء جديد تماماً، باستخدام أصوات في سردية شعرية لم يغب عنها حرف الراء كما نقرأ:
يرجون رهف العيش
فيرسمون رخاءهم برغيف خبز
ورشفة رقيقة من روعة الحنان
يرتلون في رصانة رواية الرعيان
عن رجل رشيد
حط الرحال على رأس الجبل
ورنا إلى الأفق البعيد
وأشار بعد تأمل:
أي يا رفاق تدبروا مني الرسالة
تلك الرياض أمامكم..
فيها انثروا رمانكم
فيها ارفعوا راياتكم بالعدل
راضين احتماله
ولترقبوا رزءً سيأتي بعده رزء،
سيأتي بعده هم رهيب
سيموت الحي فيه وتنتعش الرذالة
الشاعرة وهي تَفصل هنا حرفاً مهماً لكلمة واحدة قد يتغير معناها، تعيش ظروفها المتغيرة من خلال رسم سيناريو شعري لقضية أصبحت تقض مضاجع الأنام منذ فجر التاريخ، هي – الحرب ، الحب – ، وحينما تنهض الحكمة ترفع اللا فرق بينهما سوى حرف واحد:
ثم الرخاء يعم بعد رعشته فوق الرفات
وتنتفض العدالة
تلك الرؤى لا ترهنوها للرماد
إني امرؤ ركب المخاطر،
قايض الموت رداءه
والآن أبلغكم رموز تجاربي
من بعد ها سأغيب في رحم المقالة.
لا فرق بين الحب والحرب
سوى حرفٍ
منذ بداية النص الشعري، يشعر القارئ بأنه مدعو إلى تدفق عواطفه، خطوطه الافتتاحية تشي بذلك، وهي دعوة صريحة كي نتوقف لفحص الفرق الذي يحتله (الراء) بين (الحرب والحب)، فما الذي يحدث عندما نأخذ دعوة الشاعرة إلى معادلتهما:
ركض الطغاة ليسلبوه طهارته
ركعوا أمام رموزهم كي يذبحوه
ركلوه في الطرقات مسفوك الدماء
ورموه للريح أنينا
رجعا لصوت الرعد
حين يردد الكون هزيمه
رجموه بالرعب المؤبد
أطلقوه رصاص حقد في روح البرية
الرقص للشيطان
يا رهبان مملكة الظلام
بالدم تقتاتون،
تركزون رماحكم فوق الركام
لا وصل بين الحب والحرب
سوى لون الدماء وطعمها
كلاهما قانٍ، وفيه لزوجة،
وفي طياته نار
والفرق كل الفرق
يكمن في معادلة بسيطة
وبينما تقدم حنان عبد القادر تشريحاً حميماً لليأس الذي يأتي مع الصدمة، نتذكر ذلك أنها ليست حالة وجود دائمة، ففي نهاية المطاف، تجلب المتكلم والقارئ إلى المرحلة الأخيرة من الحزن حيث تقدم السطور الأخيرة من القصيدة الأخيرة سؤال يبحث عن جواب:
حين ربيع الحب يرحمنا،
يصير العمر حرية
وبيع الحرب يرمينا،
فثمن البيع حرية
وليل حين يطوينا
يدفئنا دبيب الحب
يحرقنا لهيب الحرب لا ربحت رحاها
فما ذنب الحروف إذا رتقناها،
وبعناها وفق الهوى؟
وما ذنبي أنا الرعديد
إن فسرت معناها؟