أحمد مبارك البريكي
اللوحة: الفنانة اللبنانية جنان بزي
جلس الجد يحفه أحفاده الصغار ليبدأ حكاية جديدة:
هناك في أعماق الزمن الجميل، وعلى سواحل البحر التركوازي الكبير، أقام صياد السمك كوخه الصغير الذي بناه من طين الصحراء وسقاه من ماء البحر، وقلبه يمتلئ نقاء وصفاء لا يطفيء لهيب وحدته سوى دمعه وابتسامه، ولا يمسح ألم شقائه غير يوم الحصاد.
تمر شهور عمره تتبعها دهور، وهو في غياهب النسيان على قارعة تلك الشطآن المنسيّة، يعيش كل يوم جديد حياة جديدة.
كان له ثلاثة من أبناء العم، تاجر الزيتون، وحالج الأقطان، والفاكهاني، مضت بهم الحياة بحلوها وبقي هو بمرّها لم يسأل عنه أحد، ولم يبال هو بذلك النكران وهو يرمقهم من بعيد، مجتهدين يحدون شفرات خناجرهم!
كانت صراعاته مع الحياة وأمواج البحار ترسمها أمجاد صبره، وتسطرها بين رمال ناعمة وملوحة قاسية، فطلب الرزق ليس سهلا ميسورا في كل حين، لكنه لم يزل على قيد الحياة، ولايزال أبناء عمومته منهمكين في حد شفرات خناجرهم.
ومع تقدم السنين، أقنع نفسه بأن هناك شيئا ما يمكن أن يحدث ويغير مجرى تاريخه، فصنع من يأس فقره قاربا للأمل، ومصباحا ينير الظلام، وأبناء ذوي القربى منشغلين في حد شفرات خناجرهم.
وجاء ذلك اليوم بصدفة قادته الى أرض محاذية لكوخه، تخفي في طياتها كنوزا غارقة ولؤلؤا مفقودا، كانت فرحته لا تعادلها فرحة، وسعادته قد غمرت بحار حزنه، فتساءل في قرارة نفسه: هل كنت ظمآنا ومحيطات العذوبة تحيطني من كل جانب؟ شكرا لله، شكرا لمقسم الأرزاق على خير كتبه لي، بينما أبناء الدم عاكفين على حد شفرات خناجرهم.
وماهي إلا أيام معدودات، حتى جاء أبناء العمومة ليحطوا رحالهم مع رحال أخيهم، ضاربين بعرض حوائط المبكى سنين القطيعة العجاف.
أهلا ابن عمنا..
أهلا بأخينا..
هيا لتترابط أيدينا بيديك الكريمتين، فتكون يدا واحدة، نحن ابناء الدم الواحد، والمصير المشترك.
ارتسمت في سمائه بهجة لم يسعها كونه الفسيح، فقد أضحى بين غمضة عين وانتباهتها غنيا وذو حسب، فهذه عشيرته بعثت وعادت مرة أخرى.
اشترى صياد السمك لتاجر الزيتون مزرعة من أشجار الزيتون، ومصنعا لإنتاج زيتها؛ ليشق طريقه إلى النجاح، وتحول حالج الأقطان إلى بائع للحرير، أما الفاكهاني، فقد صعد سلّم تجارة الأغذية في عالم ما وراء البحار.
ومرت الأيام ودارت لياليها بلون الصبح، لكن المساء آت، حينما أطبق ليل حزين فغزا الطاعون الأسود جسد صياد السمك النحيل، وتركه بين حياة كالموت وموت قريب، هنا استل أبناء الدم خناجرهم الحادّة، وأنقضوا عليه بهجمة رجل واحد، وأخذوا في تقطيع وتقسيم أوصاله، ليغنموا بقسمة التركة، ويتركوه في غيابة الجب السحيق.