اللوحة: الفنانة المصرية شيرين فتحي لطفي
بعد انتهائي من التقاط صور تذكارية مع زملائي بالعمل في حفل بمناسبة حصولنا على ترقية، فوجئت بالمصور يطالبني بالحديث على انفراد.. أثار مظهره قلقي إذ كان يبدو عليه علامات الهوس بالتصوير.. وعلى الرغم من أنه طاعن في السن لم ألحظ وقاره.. كان أشعث الشعر وملابسه ليست مهندمة.. وعصبيا أثناء التقاط الصور، ويوجه زملائي بغضب إن خرج أحدهم من «كادر» الصورة.
لكن أسلوبه الهادئ في بداية الحديث بث بداخلي الطمأنينة.. قال: «العيون هي أول ما أنظر إليه أثناء التقاط أي صورة، وأجيد التمعن فيها ومن خلالها أعرف طبيعة الشخص، وأنت عيناك حزينتان، وتبتسم بصعوبة وملامح وجهك عصية على الضحك».
بصوت دافئ احتوى خجلي بعدما شعر برفضي البوح بتفاصيل حزني، ثم طالبني بأن أزوره في «الاستوديو» الخاص به ومنحني «كارت» به رقم هاتفه وعنوانه.. انصرفت وكلمات هذا الرجل «غريب الأطوار» الذي قد يحكم عليه البعض من الوهلة الأولى بأنه «فوضوي» ترن في أذني.. وكانت المرآة أول ما هرولت نحوها بعد دخولي بيتي.. تعمقت في النظر في ملامح وجهي.. حاولت تصنع الضحك ففشلت.. أدركت حينها أن هذا المصور على صواب ونكأ جراح توهمت أنها شفيت لكن يبدو أنني اكتشفت متأخرا أن جراحي مثل الضحك عصية على التداوي ومازالت تنزف وجعا وألما..
أحضرت السلم وصعدت لأعلى «دولاب» ملابسي وتشبثت يداي بصندوق ورقي ممزق ملفوف بقطعة قماش وتغطيه أكوام من التراب.. أنزلته بحرص شديد كأن به جواهر نادرة ثم أفرغت محتواه على سرير النوم واتكأت برأسي وسرحت في ذكريات العمر ويداي تقلب مابه من خطابات وصور..
التقطت صور أبي الذي رحل وأنا طفل صغير.. وتذكرت كيف كنت أبكي بحرقة عندما أجد أصدقائي يتباهون بأباءهم فمنهم الطبيب والمهندس ورجل الأعمال، بينما لا تسعفني ذاكرتي بتفاصيل موقف يجمعني بأبي، لكن أمي في السنوات القليلة التي قضيتها معها كانت دوما تؤكد أنه كان يعمل في منصب مرموق وتوفي في ريعان شبابه إثر حادث سير مروع.. حفزني وجعي على الحرمان من أبي أن أكون ناجحا مثل أباء أصدقائي.. وعلى الرغم من تمزيقي جميع صور أمي عثرت على صورة لها في هذا الصندوق.. كرهي لها لقسوتها ولهثها خلف ما توهمته سعادة فحصدت حزنا..
لا يزال محفورا في عقلي ومدفونا في قلبي مشهد أمي وهي تلقي بي وشقيقي الأكبر في شقة جدتي.. كان هذا اليوم قبل زواجها بأيام من رجل أعمال ثري.. لم تفارقني يوما كلماتها القاسية «هتقعدوا هنا وكل طلباتكم مجابة.. هبقى أزوركم مرة في الأسبوع.. مش عايزة شقاوة عشان أمي صحتها على قدها».. حينها توسلت لها أن تأخذني معها لكنها رفضت وأوصدت بوجهي أبواب الرحمة..
في هذه الليلة الحزينة دخل شقيقي للنوم، بينما جلست حتى الصباح أبكي وبجواري حقيبة ملابسي، وفشلت جدتي بحنانها وعطفها أن توقف دموعي المتدفقة على وجنتاي، ومن فرط تأثرها انخرطت في البكاء فأشفقت عليها وتوقفت عن البكاء ثم هرولت سريعا نحو حضنها فاحتوتني بدفئها حتى استسلمت لسبات عميق..
مر أسبوع ولم تأت أمي فسألت جدتي فقالت إنها سافرت معزوجها وستعود خلال أيام وأكدت أنها ستزورنا قريبا، وبعد أكثر من شهر جاءت أمي حاملة بعض الهدايا لكن وقت الزيارة لم يستغرق إلا دقائق فقد كان زوجها ينتظرها في السيارة.. وذهبت أمي ونسيت أن تسألني وشقيقي عن نتائجنا في نهاية العام الدراسي.. لمحت جدتي في عيناي حزني من قسوة أمي.. وسريعا وعدتني وشقيقي برحلة من أجل الاستجمام بعد عناء الدراسة.. لم تكن جدتي ثرية بالمال ولكنها كانت في نظري أغنى امرأة بالحب والحنان عشت معها مرحلة طفولتي وبداية صباي وتعودت على غياب أمي وإهمالها وكنت اختلق الأعذار لأترك البيت في يوم زيارتها.. فقد تسببت قسوتها بإصابة قلبي نحوها بفتور ونفد رصيدها الإنساني بعدما وأدت عاطفة الأمومة..
أصر القدر أن يمعن في إسقاطي إلى بئر الأحزان برحيل جدتي وحينها فقط شعرت باليتم الحقيقي، لكن عودي كان قد استوى كنت حينها في الثانوية العامة وكان شقيقي يدرس في كلية التجارة، وكل ما كان يشغل تفكيري أن اتفوق وأصبح مهندسا..
ازدادت كراهيتي لأمي التي لم تتغير وظلت في إهمالها ولمتطلب أن نعيش معها بعد وفاة جدتي.. وفي إحدى زياراتها كانت مرتبكة لرغبتها في الانصراف سريعا فوجدت القسوة التي زرعتها بقلبي تطرح قسوة أشد وجعا وإيلاما فقلت لها «لا تأتيهنا مرة أخرى» ثم طردتها وسط توسلات شقيقي بألا نقطع صلة الرحم لكني أصريت أن أذيقها من كأس الذل ذاته.. إلا أن المفاجأة أنها قابلت غضبي ببرود وانصرفت بهدوء دون أن تهتز مشاعرها.. وكان يخبرني شقيقي بأنها تتصل به أحيانا لكنها لم تجرؤ أن تحاول الاتصال بي..
مرت الأعوام وتزوج شقيقي ودعا أمي لزفافه ورفضت افتعال أزمة تفسد فرحته فحضرت الحفل لكني تجاهلتها ورفضت مصافحتها.. ثم تخرجت في الجامعة وعملت في شركة عقارية.. وغادر شقيقي للعمل بالخارج وكنت سعيدا بنجاحه.. كان أحيانا يحاول أن يحثني للسؤال عن والدتي لكني كنت أواجه حديثه برفض عنيف.. لم يكن بقلبي نافذة لشعاع حب نحوها.. ولم أجدفي ذكرياتها الموجعة ما يدفعني لمسامحتها على ظلمها.
علمت بوفاة زوج أمي ولم اعزيها ولم افكر أن أواسيها بكلمة.. ثم انهارت شركات زوجها ونشرت الصحف عن تفاصيل عرض أغلبها للبيع بسبب مشاكل مالية.. وسقطت أمي صريعة للمرض وجاءني اتصال من شقيقي وكان يبكي ويترجاني لزيارتها فرفضت لكني خشيت انهياره في الغربة فرضخت لطلبه لكن في الوقت ذاته أكدت له بأنها ستكون زيارة قصيرة وسأنقل لها تحياته ودعواته هو فقط فوافق وطالبني بإلحاح بأن اطمئنه عليها من المستشفى..
أمام مبنى المستشفى كان الموقف الأصعب بحياتي.. قدماي تسيران بصعوبة.. وقلبي ينتفض دون أن أجد تفسيرا لاضطرابي المبالغ فيه.. كان بداخلي عزم بأنه مهما كانت بحالة صحية سيئة لن تثير شفقتي.. دخلت غرفتها فلم أجدها.. ذهبت إلى الطبيب فقال «ماتت أمس وتركت هذا الظرف»..
أمام إجلال الموت وهيبته والمشهد الدرامي الإنساني بكيت.. ووجدت على الظرف عبارة «لايفتحه إلا أبنائي».. كانت دموعي تتساقط على الظرف ويداي المرتعشتان تفتحه، وعثرت بداخله على ورقة واحدة مكتوب عليها «سامحوني يا ولادي».