أحمد الجبلي

أحمد الجبلي

هايل علي المذابي

اللوحة: الفنان العراقي كلحي نعمت 

يقع منزلنا في منطقة جبلية؛ أكبر الجبال في هذا الوطن أسكن بقربه، وعلى رأسه سارية شامخة يرفرف على رأسها العلم الوطني..

كان أصدقائي في الطفولة قليلون جداً، وهذا بسبب طبيعتي المنطوية نسبياً، لذلك لم أجد بُدّاً من مصادقة الجبل..

 ما أروع أن يكون لك صديق كهذا تتعلم منه كل شيء، حتى في الملمات والشدائد يعلمك الشموخ والإصرار.

لقد كبرت وهذا الجبل لم يتغير، لم تهزه ريح، لم يبلى بكرٍ أو فرٍ، لم يهرم، لم يصبه وهن، ولم يشتعل رأسه شيبا.

ربما لم أكن حينها بهذا الحجم من الوعي، لكني الآن أستطيع التمييز، والترتيب جيداً لهذا الوعي؛ كنت أشبه النبي إبراهيم وهو ينتهج الشك ليصل إلى الحقيقة، فظننت لوهلة أيام دراستي أن تلك المدرسة هي الوطن، والتزمت واحببتها، ثم ولوهلة أخرى خلت تلك الجماعة هي الوطن أو هي من ظن ذلك لا أعلم، واتبعتها بلا وعي ثم كبرت وظننت أنها الجامعة، ظننت أيضاً أنها الوظيفة، ثم عشقت فظننت تلك المرأة وطني، حتى اهتديت أخيرا بعد رحلة شك مليئة بالخيبة مؤلمة أن الجبل ذاك هو وطني.. لأنه أكبر، لأنه لا يتلون، أو لعله ما يجب أن أنتمي إليه فليس له مصالح ستجعله يتخلى عني في أسوأ الأحوال.

الغيمة تجسد مبدأ المساواة فتمطر على دار الفقير وتمطر على دار الغني، والجبال بالمثل لولا أن لها لغة أخرى في هذا الدرس الذي لم يتعلمه البشر، إذ تعتمد على العيون التي تراها فهي تبدو كما هي للفقير وللغني، ولا يمكن للغني أن يراها صغيرة، ولا للفقير أن يراها كبيرة، ومن يراها على غير ما يراها الجميع فهو معتل البصر، معتل الهدى، ومعتل البصيرة.

 هذا درس الطبيعة الذي كان على الإنسان دوماً استحضاره، وهو ينظّر ويتفلسف ويتشدق في تصنيف البشر…

الوطن الذي لا يساوي بين ابنائه ليس وطناً وليست له الأهلية لذلك…

 فهمت كل ذلك، والتزمت صعود الجبل يوم الجمعة من كل أسبوع، كطقس يعزز هذه المحبة، حتى نسي الجميع لقبي وسموني أحمد الجبلي..

ذات جمعة صعدت فيها الجبل وتأخرت عودتي عن موعد الغداء، قابلت راعيا للأغنام وهو رجل كبير في السن بعمر والدي فسألني هل أضعت طريقك ياولد؟

كنت ألهث ولم أجب عليه إلا بعد أن هدأت لحظات وقلت “إنني أعرف كل شبر هنا لكنني تعبت قليلا فقط..”.

فرد عليّ قائلاً:

الجبل يا ولدي كالوطن وعر ومتعب لكنك ستصل إلى قمته إن تعبت أو ستظل بأسفله إن تهيبت صعوده أو انشغلت بالتفكير في العناء الذي قد تشعر به.

صمت قليلاً ثم سألته:

هل تقصد أنني أستطيع الوصول إلى تلك القمة؟

كنت مازلت أشير بسبابتي نحوها فأجاب:

إن بلوغها شاق جدا لكنك تستطيع..

بكل براءة قلت: هل تقسم لي بالله أنني أستطيع أن أصل إلى تلك القمة..

ضحك الرجل حتى بانت نواجذه وقال: وأقسم بالله أنك تستطيع..

بعد ذلك اليوم لم يعد يعجبني من أشعار العرب إلا بيتا قال فيه الشاعر:

ومن يتهيب صعود الجبال..

يعش أبد الدهر بين الحفر..

 لم أفكر يوماً ما الذي سيقدمه لي هذا العناء من صعود الجبل، بل ما زلت كما أنا، أفكر فيما سأعطيه لهذا الجبل وما الذي يمكنني فعله من أجله.

لم أحب الادخار لا صغيراً ولا كبيراً إلا يوم فكرت في أن أكسو هذا الجبل ببردة صوفية تقيه من برد الشتاء لولا أن أمي ضحكت وقالت لي: اشتر طلاءً بألوان العلم، واختر مكاناً مناسباً بارزاً في الجبل، وارسم العلم. وحقاً تراجعت عن فكرة كسوة الجبل ونفذت مقترح أمي وكتبت إسمي تحت ذلك المكان حيث طليته أيضاً “أحمد الجبلي”..

كانت الخيبة العظيمة لأحمد الجبلي في ذلك اليوم الذي فقد الجبل براءته فيه، يوم استخدمت ثكناته وجروفه كمخازنٍ للسلاح..

الوطن الذي يحمل السلاح يفقد براءته، ويصبح متهماً بالموت..

منذ ذلك اليوم انطفأ أحمد الجبلي، ورحل ليبحث عن وطن لا يحمل سلاحاً.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.