علبة ألوان

علبة ألوان

ناصر المطيري

اللوحة: الفنانة المصرية ولاء علي شعبان خيرالله

 ها هي عجلات الطائرة تلامس مدرّج الهبوط بعد ست ساعات من إقلاعها من مطار الكويت الدولي إلى مطار هيثرو، صوت المضيفة وهو يهمس بلطف مذيعًا خبر الوصول أيقظ راشد من منامه، تفتّحت عيناه بصعوبة، تلمّس حاجياته، أطلّ من شبّاك الطائرة محدقًا بكل هذه الأرض الشاسعة، فائقة التنظيم والجمال  حتى وهي من أعلى، كانت هي المرّة الأولى التي يخرج فيها راشد من حدود الوطن، كان أول ما أدركه أن للأرض والناس صورًا أخرى.

عاش سنواته الثماني عشرة في قالب حياتي ضيّق، من قبل أن يشتدّ عوده حتى صعوده سلّم الطائرة والقالب الذي وُضع فيه يزيد من قوقعته على نفسه، في مسجد الحي الصغير كان يردد خلف الإمام الدعوات بالهلاك والممات لكل من لا يشاركه نفس المعتقدات، حتى أولئك الذين دون أن يعلم، اخترعوا جهاز التكييف والمايكروفون والسماعات المستخدمة بالمسجد لأناس يدعون عليهم بكآبة المنظر وسوء المنقلب.

رمقه موظّف المطار بابتسامة صغيرة مرحّبًا به في البلد بعد أن تأكد من سلامة أوراقه الثبوتية، سار التفتيش بسلاسة أثارت تعجّبه، كان المجتمع الذي نشأ فيه لقّنه أن الوافد إنسان أدنى من المواطن، انكسر صنم صغير في داخله حين أدرك أن بإمكان الغرباء أن يكونوا لطفاء أيضًا، إن الود لا يحتاج إلى معرفة، والتواصل الإنساني بحدّ ذاته يكفي لنكون ودودين مع بعضنا البعض، ترددت الفكرة في نفسه حتى استقرّت بثبات وهو ينظر إلى أماكن العبادة في المطار.

عقد حاجبيه ليرى بوضوحٍ أكبر، المنظر الذي أثار اندهاشه، ملصقات تشرح الوضوء واتجاه يشير إلى القبلة لمن يودّ أن يصلي، في غرفٍ متلاصقة كان كل إنسان يتعبّد بالطريقة التي يحبّ، “لا إكراه في الدين”، مَرّت الآية القرآنية سريعًا في رأسه مع شعور غامر بالسكينة المصحوبة بالتفكير.

عند بوابة المطار، كان هدير المطر مجلجلاً، كعتاب الأحبّة، وقف على حافّة الخروج خوفًا من أن تبتلّ ثيابه، اقترب منه رجل آسيوي ليشاركه مظّلة تحميهما من البلل.

– شكرًا.

– على الرحب.

أخرج راشد قطعة شوكولاتة وقسمها إلى نصفين، مدّ نصفها إلى الآسيوي كردّ للجميل، كانت الخدمات المتبادلة بين المظلّة والشوكولاتة في تفاصيلها الصغيرة سلوك وجداني عميق استقرّ في نفسه، الحياة في مضمونها ليست إلا مشاركة مع الغير وإن كان مغايرا.. أوصله سائق التاكسي إلى سكنه، في الطريق تأمل المباني وهي تستعرض مفاتنها، السفر ليس إلا مئات وجوهٍ وأماكن عابرة، طالت أو قصرت المدة كل وجوه السفر تُنسى، في الغربة يبدأ الغرباء من الصفر كالأطفال، يُلقى الغريب في بيئة جديدة لها قوانينها وتقاليدها غير المكتوبة، قطع سائق التاكسي حبل أفكاره وهو ينبهه بأدبٍ جمّ إلى وصوله إلى العنوان المطلوب، حين نزل لاحظ أن أوّل مساوئ الوحدة أنه لا يوجد من يحمل معك الأغراض.

كانت التربية الحاضّة على النفور من الغير مسيطرةً عليه، قرر أن ينعزل في شقّته عن كل من هو مختلف عنه، بنضجٍ واهم قرر أن لا يختلط معهم، وأن ينشغل بدراسته فقط، في صباح اليوم التالي، وبسبب تغيّرات الجو وعدم حمله لما يكفي من الثياب؛ أسقطه المرض طريح الفراش، حاول النهوض، استجمع قواه والسكوت يلفّ المكان، لا أحد في الوحدة يستمع إلى آهاتك.

نجح بصعوبة في الوقوف، خطواته متثاقلة، كأن المرض يدفعه أكثر للوراء، فتح الباب وحسم تردده المصحوب بخجل بطرق باب الجار، ثلاث ضربات ثم فُتح الباب، رحّب به جاره سريعًا مدركًا حالته.

– لا عليك، سأقدم لك المساعدة.

– سأكون ممتنًا لك.

الجار كان يبدو رجلاً ستينيًا، الشيب يغطّي ما تبقى من شعر على رأسه، نطقه للإنجليزية يدلّ على أنّه ليس من أهل البلد، أمر زوجته بطهو حساء ساخن للشاب المريض، قدّم له غطاءًا ثقيلا يقيه البرد، وحبّة دواء لتخفيض الحرارة، دار بينهما حوار ودّي عرّف كلٍ منهما نفسه على الآخر، راشد القادم من بلاد عربية، ولويس الذي قضى ربع قرن في بريطانيا بعد هجرته من أمريكا اللاتينية.

قطعت رائحة الحساء النفّاذة في المكان حوارهما، الوجبة التي أعدّتها زوجة لويس أصبحت جاهزة، ساهمت هي والدواء والغطاء بتخفيض حرارته وتشافيه، تكوّنت صداقة في الحال بينه وبينهما، الصداقة ابنة الموقف، لا تحتاج إلى مقدّمات ولا تعترف بالفروقات، يأمرها الله فتكون، عاد راشد إلى شقّته بعد أن تحسّنت صحّته شاكرًا لهما حسن الرعاية.

كانت المواقف القصيرة التي حدثت له تشغل تفكيره، كل من قدّم له المساعدة كانوا من أعراق مختلفة، لم يسأله أحد عن ديانته ولا أفكاره ولا توجّهاته، كان كل شيء يتمّ في أبسط صورة، تعامل مباشر يبدأ وينتهي دون أيّة تعقيدات،  تأمّل اللوحة المرسومة على أحد الجدران ثم قال بصوتٍ داخلي “إننا كبشر نشبه هذه اللوحة، اختلافنا لا يستوجب خلافنا، إن اختلفت ألواننا يجب أن نمتزج، سيكون الناتج أفضل من وحدتنا”. تذكّر ما قيل له في الماضي عن المختلفين عنه، فتح علبة الألوان ثم كتب على صفحةٍ بيضاء:  وقت قصير من المعرفة، يكفي لهدم عمر كامل من الجهل.. كتبها بأكثر من لون. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.