مخاض

مخاض

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنان الروسي ناثـان آلتـمـان

أنا الآن نزيل قبو في مكان ما في المدينة، لا حق لي، وبالتالي لا مكانة ولا قيمة، إلا ما يتكرم به الجندي علي. قبل أن أُجلب إلى هنا، كنت في البيت، رغبة المعرفة دفعتني إلى الخروج في يوم الهول هذا، لا لشيء إلا لأطمئن على حانوتي.

  نزلاء القبو، أعرف أغلبهم، فمنهم من مر علىّ أيام أن كان في السوق، هم أمامي الآن، يجلسون صامتين، تماما كعهدي بهم وأنا في عملي، لم يتغير شيء، أسئلة كثيرة لا ترضى بمغادرة عيونهم، يظنون أنني أفضل من يرد عليهم، صمتهم طال، ورجفتي توشك أن تغادرني، مشهد أكد لي أن مقدار مكانة الإنسان تنبع من كونه يستطيع الكلام، فإذا لم يفعل، فإنه يرتب ليوم موته. 

  هم في هذه اللحظات يبدون أقرب ما يكونون إلى كسر تلك القاعدة، وهم يقبلون، ماذا أقول لهم لو تكلموا وطلبوا منى الرأي فيما حدث؟ كيف أقول لهم الآن؟ وأجسادهم مسخنة بالجراح وقلوبهم مترعة بالمهانة، وأنا الوحيد بينهم من يخففون بالحديث معه عن همومهم.

بدأ صراعهم من أجل الفوز بعدد من البلاطات ليكونوا قريبين منى، وهاهم يسألون:

ـ ما سبب ما حدث؟

 أقول لا أعرف 

يصرخون:

ـ إذا كنت أنت لا تعرف، فمن يعرف؟

 ضحكت، نعم ضحكت، وقلت بأن الأسوأ في الطرقات، وليس الجندي الجالس على حجر يردد كلمات قد يكون لا يعرف معناها وما تسبب لنا من متاعب، تفوق أثار يده الباقية على قفاي.

وأنا أغادر البيت، ما كانت لتدور في خلدي تلك النهاية، كنت مثقلا بالأفكار، فكرت في مدينة نشأت فيها، وفي زوجة تقبع في بيت كبير لا يرافقها أحد، وسط كل هذا وأنا أتفادى الطرقات الرئيسية، إذا بيد عفية تمسك بي، وأخرى تنهال علي بالضرب، كدت أقع علي جثث غارقة في بحر من الدماء، بكيت بدون صمت وأن أعيد لجسدي توازنه، وقبل أن أستقيم خفت من رؤية أحد لدموعي، فأغلقت عيني وعصرتهما عدة مرات، فانقطع الماء وسرت والسلاح مصوب إلي ظهري، كنت أتوقع في أي لحظة أن يتهور الجندي، ويقتلني، هو لم يفعلها، وحتي أنقذ نفسى من براثن التفكير، وجهت عقلي إلي الرائحة المتسربة، وكلما رغبت الرائحة في الابتعاد ملت بأنفي ناحية الحوانيت المغلقة، فتعود بكامل عبقها، لحظتها لا أعرف لماذا تذكرت المقولة التي تقول “لو دخلت حانوتا للعطارة فاعلم أنك في مكان يلخص ثقافات أمم شتى، فلكل صنف نكهة ورائحة ترتبط بالبلد المجلوب منه”. شيء غريب أليس كذلك أن أفكر في مقولة كنت قد نسختها بخطيـ في أيام كان رزقي أضيق من محبرةـ وعلقتها على واجهة الحانوت، وأنا أشد قربا من الموت، لكن ما يفوق ذلك غرابة، تفكيري الآن في رائحة القبو.

فلو قال لي أحد قبل يومين أنني سأكون هنا وبين هؤلاء، كنت أشبعته ضربا وركلا.

 في أول لحظات دخولي، وبعد أن دفعني الجندي، وقفت للحظات، نظرت إلي إصبعي الخالي من خاتم تم نزعه منى بالقوة، شعرت بالخزي، ونظرت واخترت مكاني في القبو، اتجهت إليه وجلست ، ونظرت إلي الوجوه، كانت كلها مألوفة، وكأنهم عرفوا أن كل شيء انتهى، سكتوا، وتفرقوا كرد فعل أول، وأنا انتحيت جانبا، انهرت،                                                                                                                          وجلست علي أرض القبو المنداة ووصلتني الرائحة العطنة والمكتومة، قلت لنفسي هي رائحة أبناء المدينة، من تم الزج بهم إلي هنا.

 يخفق قلبي، فأبعد تفكيري، أتفحص الوجوه، هم لا يخفون علامات الخوف، ولا كلمات تروح وتجئ، تود لو خرجت ونطق بها اللسان، تماما كالقلم حينما يكتب أشياء ما خرجت من لساني، حدث هذا كثيرا، وحينما كنت أفكر أعرف أن ما خرج كان يدور ويتسع بداخلي، وكان لا بد أن يخرج من السجن، حتى لا تضيع.

ومع ثقل الصمت، وطول زمن تجوالي، تعرفت علي بعضهم، فانتبهت لكل حركة أقوم بها، من باب المحافظة علي مكانتي، ولإتقان خطتي، دفعت بنفسي لجهة أخرى، فعمدت إلى إحصاء المسافة بين القبو والبيت، وجدتها كبيرة، وعندما وصلتني رائحة العطارة مع دفقة هواء ساخنة نفذت من فتحة تقابل الباب، استقبلتها، فشعرت بألفة بيني وبين المكان، وأنصت لحركة الشارع الواهنة، وبينما أنا أقوم بهذا الفعل إذا بضربات تصل إلى، مع بعض التركيز، عرفت أنها ضربات القباب، رقص قلبي بين ضلوعي، ووجدت في نفسى شوقا للشارع، أمنيات ماتت كما ولدت، ماتت مع ابتعاد الصوت، فركنت رأسي إلي الجدار، وأغمضت عيني، ورحت أتجول في الشوارع التي ما رأيتها إلا وهي محتقنة بالمارة من الرجال والنساء، حياة فوق حياة تولد، وجاءت الحركة، رحت أضرب الباب الموصد بقبضتي يدى، بعنف لم أتعوده في نفسى، وكنت بين اختيارين، إما البقاء بعض الوقت لأواصل الدق، أو تأجيل ذلك، ملت إلى الخيار الأول، وما هي إلا لحظات، وكانت كل الأيدي تشاركني فيما أفعل، بينما أصوات مهرولة تقترب منا. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.