اللوحة: الفنانة الكويتية سوزان بشناق
بعد حصولي على ميراثي من أبي بدأت في تشييد «فيلا» في إحدى المدن الجديدة بالقرب من الجامعة التي أعمل بها، وأسندت الشركة العقارية التي اتفقت معها على البناء مسؤولية «الديكورات» إلى مهندس شاب ظل على تواصل معي خطوة بخطوة عدة شهور حتى تسلمت المفتاح.. في هذه الفترة أعجبت به فقد كان متدفقا بالحماس وانجذبت لشخصيته الطموحة، اتفقنا على الزواج وتحديت أمي وأشقائي وأعمامي لرفضهم هذه الزيجة للفارق الشاسع بيننا في المستوى الاجتماعي والمادي.
تم الزواج وكنت في قمة سعادتي فقد كان حنونا ورمانسيا وعوضني عن قطيعة أهلي، ولم يفوت مناسبة إلا وحاصرني بحبه.. بعد عام غمرتني الفرحة بقدوم مولودي الأول، وتفاجأت بزيارة أمي وبقية أفراد عائلتي، وعلمت أن زوجي ذهب لهم وطلب منهم أن يغفروا لي زواجي بدون موافقتهم، وذاب جبل الجليد من الخلافات وأمي تحتضنني وتقبل طفلي.
بعد أشهر توطدت علاقة زوجي بأمي وأشقائي وغيَّروا نظرتهم نحوه فقد كانوا يظنون أنه يطمع في ثروتي، مع الوقت اكتسب ثقتهم وطلب منه معظم أفراد عائلتي بأن يصمم لهم «ديكورات» بيوتهم، وزادت البهجة بقلبي بعودة هذا الدفء الأسري إلى حياتي.
بدأت في البحث عن مربية للطفل فقد كنت استعد من أجل العودة إلى التدريس في الجامعة، وبينما كنت في إشارة مرور توقفت أمام سيارتي «صَبِيَّة» خطفت قلبي بأدبها وهي تعرض بيع مناديل ورقية، عبرت الإشارة وتحدثت معها وعلمت أن تساعد أمها الضريرة في تربية أشقائها الأيتام.. توسلت لي بإنقاذها من التسول في الشوارع ومساعدتها في الحصول على وظيفة تناسب المؤهل المتوسط الذي حصلت عليه منذ عام.. في هذه اللحظة قررت أن استعين بها في تربية طفلي ومنحها مبلغ جيد كل شهر يساعد أسرتها الكادحة على مواجهة ظروف الحياة القاسية.
في البداية رفض زوجي الاستعانة بها لعدم خبرتها في تربية الأطفال لكنه تراجع عن موقفه بعدما سردت عليه قصة كفاحها مع أمها وشعرت بتعاطفه معها لأنه ينتمي إلى أسرة فقيرة، ودائما كان يحكي لي بفخر عن إصراره على النجاح رغم ما كان يعانيه من ظروف قاسية.
لم تخيب ظني وكانت شعلة من النشاط، وبخلاف الاعتناء بالطفل كانت تؤدي شؤون البيت بمهارة وتطهي الطعام بمذاق جميل ما جعلني اتمسك بها، وكان زوجي يثني كثيرا على نظافتها فقد كان يكره وجود ذرة تراب في أي مكان في «الفيلا».
كلفت بمنصب مهم كان يجبرني على قضاء معظم أوقات اليوم في عملي وشعرت بغضب زوجي، وللمرة الأولى ينفعل ويتهمني بإهماله، وعدته بإنهاء بعض المشاكل مع عدد من المتربصين بي وتنظيم وقتي، لكن المشاكل كانت تتزايد مع ارتفاع سقف طموحاتي.
ذات ليلة عدت من العمل متأخرة فدخلت غرفة الطفل وكانت الصبية تنام في سرير بجواره ولم يستر الغطاء أجزاء من جسدها فظهرت ملامح الأنوثة.. كانت قد ألمحت لي أن أهلها يضغطون عليها للزواج فبدأت أخشى أن أفقدها.. في الصباح أخبرتها بأنني سأضاعف راتبها في نهاية الشهر لإخلاصها في العمل، كنت أريد سد أي ثغرة تفكر من خلالها في الرحيل فلم أكن أملك رفاهية الوقت للبحث عن خادمة ومربية جديدة.. انفرجت أسارير وجهها وشكرتني وعادت بحماس للعمل.
رغم ما كان يبديه من ضجر توقف زوجي عن عتابي لاستمراري في التأخر بالعمل، وكان ذلك أحيانا يثير قلقي لكن في غمرة انشغالي لم أسأله عن السبب، وفي يوم استيقظت متأخرة وكانت على عجل في الذهاب إلى اجتماع مع شخصيات مهمة، وبعد أن قطعت مسافة بسيارتي انتبهت إلى أنني نسيت أوراق مهمة على مكتبي استدرت سريعا وعدت إلى البيت، دخلت فوجدت الهدوء يخيم على المكان، حاولت فتح غرفة النوم فوجدتها مغلقة من الداخل ذهبت إلى غرفة ابني فكان نائما وحيدا، ثم عدت لغرفة النوم وطرقت على الباب بقوة وبعد دقائق فتح زوجي وكانت مربية الطفل تقف بجواره، وقبل أن انطق بكلمة هرولت الفتاة إلى خارج البيت، ثم بكي زوجي وطالبني أن أغفر له هذه النزوة وتعهد بأنه سيظل العمر كله يكفر عن هذا الذنب.. في لحظة انهارت كل أحلامي أمامي وذكرته بأنني تحديت أهلي من أجله ووقفت بجواره حتى أصبح مهندسا مشهورا، لم يصمت خجلا من خيانته واتهمني بأنني السبب وأن عدم اهتمامي به دفعه للارتماء بأحضان هذه الفتاة، رفضت توسلاته بأن أسامحه وتمسكت بالانفصال.
وقفت بصلابة أمام ضغوط أهلي بالزواج وتقدم لي عدد من أثرياء العائلة، كان هدفي فقط تربية ابني الذي كان يخبرني بعد عودته من زيارة والده أنه يعيش بمفرده فعلمت أنه أيضا لم يتزوج.. وعندما اختلي بقلبي وعقلي في الليالي الباردة وما أكثرها في عمري، استرجع الذكريات وانغماسي في العمل والنجاح الذي حققته حتى أصبحت خبيرة في مجالي، كنت ألوم نفسي على أنني شاركت دون قصد في هدم بيتي لكن إحساسي بأنني لا استحق الخيانة يعصف سريعا بأية محاولة لإيقاعي أسيرة في مصيدة تأنيب الضمير.
انهى ابني دراسته وعمل في شركة استثمارية وأنقذته من الفخ الذي وقعت فيه وأجبرته على الابتعاد عن فتاة يحبها ابنة موظف بسيط وأخبرته بأنه سيتزوج ابنه شقيقي الأكبر، لكنه لجأ إلى والده لمحاولة إقناعي بالموافقة على زواجه من الفتاة الفقيرة، وإذا بالصمت الذي ظل مكبوتا أعوام ينفجر بوجهه وعايرته بفقر أهله وذكرته بخيانته، شاهد ابني هذا الموقف العصيب فترك البيت واستقل سيارته، وبعد ساعات تلقيت اتصالا بأنه محتجزا في مستشفى بعد إصابته في حادث نتيجة السرعة الجنونية، وفي طريقي إليه تمنيت الموت وألا أكون سببا في مكروها يصيبه.
أمام غرفة العمليات كان يقف والده يرمقني بنظرات لوم وعتاب، خرج الطبيب وطالبنا بأن ندعو له لأن حالته حرجة، وعلى باب غرفة العناية المركزة قضيت أطول ليلة في حياتي توسلت للخالق أن يطيل في عمر فلذة كبدي لأحقق له ما يتمناه، رجوت الله ألا أكون مثل الدبة التي من فرط حبها لصاحبها قتلته.. بدأت خيوط الصباح تتسلل بأمل إلى قلبي الحزين ثم نطق الطبيب «الحمد لله» اجتاز مرحلة الخطر، سجدت أنا وأبيه لله شكرا.. وبينما كنت أطبع قبلة على جبين ابني وهو يستفيق من محنته، همست له في أذنه «لن تتزوج إلا بمن يعشقها قلبك».. كان والده يقف على بعد خطوات فأشار إليه للاقتراب منه، ثم وضع يدي بيد أبيه على صدره كأنه يطالبني في هذه اللحظة بأن أغفر لأبيه خطيئته.. اقتربت من نجلي مجددا وهمست في أذنه «من أجلك تألمت وصبرت واليوم من أجلك أيضا سامحت».