محمد نديم علي
اللوحة: الفنانة العراقية هبة فاضل ياسين
قصة النيل في الجنوب، بخيره وشره، وسريانه العبقري في لحم الأرض وثنايا عروقها، هي قصة الإنسان المصري، بخيره، وشره، وأحلامه، وانتصاراته.. وانكساراته.
هنا القوي العتي، الذي شكل أحلامه وفق رؤاه، وهنا الأغلبية التي تشكلت تفاصيل حياتها بإزميل القسوة والعناء والعوز.
أغلبية عاشت على هامش اللقمة والستر، بين قلق يعتريها، وعناء تتكبده، واحتساب يريح فؤادها المتعب، وكانت المرأة واجهة الصورتين:
في الواحهة، بنات العمد وملاك الطين والسلطة، ينعمن في الحناء والحلي وخبز القمح، وطري الكساء، وعطر البخور، وزيت الصندل.
وفي زحام الصورة، ابنة الأجراء والخفراء، تكافح أسنانها خبز البتاو الصلد، وتناضل أقدامها لفحة التراب المشتعل تحت الشمس في ملحمة الحفاء المقدس، الذي ساد وادي النيل لقرون.
المرأة التي بنيت على رأسها خيمة البيت وهي طفلة لم تكسر حاجز الثانية عشرة من عمرها الغض، حملت جرتها لتعبئ ماء النيل في رحلتين، رحلة الصباح والمساء، تراوح بين “الموردة” وبيت الطين، وإذ حملت جرتها ثقلا غير متوقع، حملت أيضا في رحمها جنينها المفاجئ، ولا يفارق مخيلتها المرتعبة، كابوس تلك الليلة الأولى، وكفاحها المرير أمام وحش غبي، كي لا تخلع عنها حزام عفتها الطفولي، لا تنسى أغاني رحلة العطش والارتواء، في جوقة النساء والبنات، يسلين رحلتهن بالحداء الجميل، يملأن جرار البيت وينفخن في تنور الخير الشحيح.
إنها “ثلاثية الماء والطين والنار”، وأسطورة الحياة، وحكاية العدل الغائبة.
تغفو الضفائر بعد عناء النهار على وسائد ليف النخيل؛ لتصحو لفجر عناء جديد، لكن أحلامهن تبقى حية متأججة، رغم شقوق بانت كنقش فرعوني على خرائط الوجوه والكفوف، ربما يحققها لهن الحفيد المنتظر.