حانة الشعراء
اللوحة: الفنانة اليونانية ماريا غياناكاكي
هل هي الهجرة بحثا عن فرص العمل وظروف أفضل للحياة؟ أم الحرقة والموت والرحيل نحو المجهول؟
مبررات الهجرة غير الشرعية للشباب الذي فقد الصلة بكل ما يربطه بالوطن كثيرة، فهو لم يجد فرصة لحياة كريمة على أرضه، ولم ينل اعترافا بما يقدم، ولم يستطع أن يجد ما يحب أو من يحب؛ فيقرر أن يصافح الموت راحلا تحت رحمة عصابات التهريب، مسترشدا ببوصلة الحظ التي تصنع صدف النجاة وصدف الموت على حد سواء.
لم أكن يوماً لأحد،
لم أحب يوماً قط، لا أمرأة، لا وطن .
لم يكن الحب سهلاً
فأقع في فخه
ولم أكن سهلاً أيضاً
فيقع الحب في فخي
كلانا لم يكن للآخر
كلانا كان ضد الآخر .
هذا تحديدا ما حدا بعبد الوهاب محمد يوسف، الشاعر السوداني الشاب الشهير بـعبد الوهاب لاتينوس نسبة للاتينية لغة الرومانسية، إلى الرحيل من بلاد صنفت قبلاً بسلّة الغذاء العالمي، فأصبحت بقدرة قادر ترزح تحت الجوع والفقر والعوز، إلى بلاد تلوح للرائي بنبيذها الشهي، وجنتها المشتهاة، رحل خلف السراب كطيف معلق في العدم، رغم معرفته بخديعة الاغتراب.
روحي، مثل طيف،
مرت مِن هُنا
جسدي مذ أزل
لم يمر ولم يعبره أحد،
فقط، ظل وحيداً عالقاً في غابةِ العدم
وحده الحزن ينبتُ في جسدي
أنا الذي لا روحَ لي
سأفرُّ مِن وطن
يلهب ظهري بالسياط ليل نهار
سأفرُّ مِن امرأة لا تعرف كيف تطعم روحي،
رحيق جسدها .
سأفرُّ مِن كل شيء
وأهرب غير مكترث نحو العدم .
وهو يستدرك ليبين عمق معرفته بالحقيقة، وبحجم الخديعة المدفوع لها دفعا فيقول:
“سنفرُّ مِن الوطن، سنهرب حثيثاً نحو المنافي، ولكن الغربة هي أيضاً قاسية لا تحتمل،
ستمتص رحيق أرواحنا لا محالة” .
لم يكن شاعرنا الشاب متيقنا – رغم تنبؤه في قصائده – من موته غرقاً في البحر الأبيض المتوسط، على متن قارب كان يقله مع آخرين في طريقهم إلى أوروبا من شواطئ ليبيا، لم يكن متخيلا أنه يركب أحد قوارب الموت المسافرة للاعودة، توفي الشاعر الأسمر غرقا إثر تعرضه ومن معه لإطلاق النار في عرض البحر، تاركاً خلفه أهلا ثكلوه، وأحلاماً ضاعت سدى.
هو واحد من أبناء منطقة النقيعة التابعة لمحلية النتيٌقة بولاية جنوب دارفور، درس الاقتصاد في جامعة الخرطوم، وكان الأول على مستوى وسط دارفور في امتحانات الشهادة السودانية 2013 فكرمته الولاية حينها، ويشهد له أصدقاؤه بأنه كان زميلا عزيزا طيب المعشر حاد الذكاء جريء القلم والكلم، ذا مواهب متوقدة، وروح مُعذَّبة بجدل الحب والموت والجسد وأسئلة الوجود، وربما كان لاتينوس متوافقاً تماماً مع ما يكتب من شعر، متنبئا بالمصير الهائل الذي سيطير إليه، فدفع بقدر مجهول ليخوض مغامرة ركوب البحر الأبيض، الذي يقتل في ظلمة أمواجه كل يوم المئات من أبناء القارة السوداء ملوحا لهم بسراب الجنة المأمولة.
رحل عن عالمنا عبد الوهاب لاتينوس الذي تنبأ بغرقه قبل الغرق، وبالرحلة النهائية قبل النهاية، رحل وهو يتمسك بالحياة ويتأمل الموت، يتوقعه في كل لحظة غير آبه أو مبتئس.
ليس سيئاً أبداً أن تموت
في مقتبل العمر
دون أن تبلغ الثلاثين بعد
ليس سيئاً أن تغادر باكراً أبداً،
السيء، أن تموت وحيداً
ربما الموت
ليس أكثر مِن وخز خفيف
على ردفِ طفل
ليس أكثر مِن قفزة مرتجلة
نحو الأسفل .
ربما الموت – مثل الكتابة – ليس أكثر مِن
صراخ هادئ، يهز سكون الليل .
في الليل دائماً ما يموت رجل مثلي
بسكينِ الوحدةِ،
دون أن يسعفه الحظ بنجاةٍ
لا تقفل مُطلقاً نافذة الموت
هذه الحياة التي عنوة
تريد أن تسوقكَ إلى حتفكَ،
أذعن له،
طالما لا مفر من ذلك
لا تقلق على شيء
لا تهلع،
كل ما في الأمر
أن لا أحد يستحق الحياة حتى أنتَ .
