البحرُ الأبيض الأسود غيرُ المتوسط

البحرُ الأبيض الأسود غيرُ المتوسط

د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

التكنولوجيا المعاصرة، بحر، لكنه يختلف عن كل البحور، فقد تدفق إليه الأبيض والأسود والمتوسط والهادئ والهادر وبحر الظلمات، ولذلك فإنك واجدٌ فيه تعثر الروافد، وطيش الأنهار، وعفَنَ الْبِرَك، وجلال المحيطات، وأنت واجد فيه رقةَ الفجر، وتفاؤل الصباح، وقسوة الصهد، وتفجُّرَ الإعصار، ووحشة الليل، وسوف يزداد هذا التشبيه قوة وتعقيدًا كلما أوغلنا في السنين.

والناس في بحر التكنولوجيا ليسوا أمة واحدة، فلا يزالون مختلفين، فمنهم الذين يسبَحُون بإرادة الفوز، تدفعهم جاذبية القمة، ومنهم الذين يسبَحُون بإرادة النجاة، تبلعُهم جاذبيةُ القاع، ومنهم الذين أعطوْا ظهرهم للجميع، وظنوا أنهم بمنأى عن الموت “بإسفكسيا” الغرق، ولم ينتبهوا إلى أنهم راحوا يتعجلون حتفهم، وأنهم إذ كتب عليهم الموت الأسرع، قد برزوا إلى مضاجعهم، وسوف يزداد هذا التشبيه قسوة، كلما اتسعت الفجوة الرقمية بين الشعوب، وبين الأغنياء والفقراء، وبين المتعلمين والأميين وأشباههم.

وحسبك من مرارة المفارقة –عزيزي القارئ- أن تعلم أن حيّاً واحداً مثل حي “مانهاتن” في “نيويورك” مثلاً، يضم – كما تقول التقارير- ما يزيد على أربعة عشر مليون خط للهاتف، وهذا الرقم يفوق ما تملكه قارة إفريقيا بجميع دولها، ما تقدم منها وما تأخر، ذلك في مجال هذه التقنية البسيطة وحدها، فضلاً عن المتقدم أشواطاً مرعبة في هذا المجال المتدافع.

الخطير في الأمر – والكلام من تقرير لجنة من الخبراء كلفتها الأمم المتحدة بوصف أزمة “الفجوة المعلوماتية” من أجل البحث عن حل – أن الأزمة تتفاقم بما يكاد يخرج عن السيطرة، إلا أن يكون العلاج بالجراحة وأن يكون الطبيب متحمسًا جداً، وثقةً أيضاً، وهي وصفة ليست سهلة كما نلاحظ، خصوصاً إذا استرجعنا الأوضاع الثقافية والاقتصادية المتردية في الكثير من أصقاع العالم، ففي مناطق شاسعة من أفريقيا مثلاً تزيد نسبة الفتيات اللاتي يَمُتْن قبل سن المدرسة، عن نسبة من يُجدن القراءة، وإذا علمنا أن سكان العالم يزيدون على سبعة مليارات نسمة، فإن ما يزيد على نصف هذا الرقم، لا يبلغ دخله دولارين يومياً، كما يؤكد تقرير الأمم المتحدة، وقد يؤكد هذا الواقع المعطوب، ما أورده “نلسون مانديللا” مرة في إحدى خطبه من أن كثيرًا جدا من سكان العالم لم يُجر مكالمة هاتفية في حياته، وأن نصف أطفال كوكب الأرض حتى الآن، لم يعرفوا طريقهم إلى المدرسة! (عالم المعرفة 265 ص/27).

وإذا كان هذا الواقع المحزن، يجسد المسافة المرهقة بين مجتمع الأغنياء في أوربا واليابان وأمريكا، ومجتمع الفقراء في أكثر مناطق العالم، فإنك واجد مسافة مرهقة أيضاً بين طبقات الأغنياء أنفسهم، كالهوة السوداء بين البيض والسود وبين ذوي الدخل المنكمش والدخل المنبعج في أمريكا، فالبيض في أمريكا مثلاً يزيدون على 60% من مستخدمي الإنترنت في العالم، وبالرغم من التوقعات التي يتحدث عنها الخبراء وشركات الأبحاث بأن تحدث متغيرات قد تضيق من الفجوة أو توقف تفاقمها على الأقل، إلا أن جميع المؤشرات ما زالت تذكر أن استخدام الإنترنت سوف يظل قصراً على أصحاب الدخل الجيد والتعليم الجيد جداً، واللغة الممتازة، وبذلك يرسب السواد الأعظم من سكان الأرض في غيابة الفجوة المعلوماتية يندبون حظهم وفقرهم وجهلهم وأمراضهم الاجتماعية والسياسية، على حين أن الأغنياء والقادرين هناك يتحدثون عن خمسة وأربعين ملياراً من الدولارات هي الأعمال المحققة عبر الإنترنت عام 1998، وهي التي قفزت –كما تقول التقارير- عام 2004، إلى سبعة آلاف مليار، نعم سبعة آلاف مليار، ثم قفزت إلى أضعاف تلك الأرقام في الآونة الأخيرة

هناك إذن ورطة معلوماتية – عزيزي القارئ – وهي ورطة ذات أبعاد اقتصادية وثقافية واجتماعية وسياسية مركبة إلى تخوم التعقيد.. لكن.. هل هناك ضوء في نهاية النفق؟ هل يفكر أحدٌ في هؤلاء الملايين الذين يتفاقم بهم العداد؟ هل واقعنا نحن العرب معلوماتياً، يدخل في هذه المنطقة المظلمة من الصورة؟

تلك أسئلة إذا لم نوفر إجاباتها – عزيزي القارئ – فسوف نرى العرب وهم يَلقوْن حتفهمُ المعرفيّ عما قريب.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.