اللوحة: الفنان الفرنسي هنري لو سيدانير
لم أخلف يوما موعدى، كنت استعد ليوم الخميس قبله بيوم أو اثنين لأكون فى قمة أناقتى، لاستقبال حبيبتي التى تدرس في الجامعة بالعاصمة وتقضي أجازة نهاية الأسبوع مع أسرتها فى مدينتنا الهادئة الواقعة على ضفاف النيل.
لم تكن “رقية” الفتاة الأولى التي تعلق بها قلبى فحسب بل كانت رفيقة مرحلة الطفولة فهي ابنة عمي وتربينا معا فى بيت العائلة، ولم يكن يفسد أجمل لحظات البراءة عندما كنا نلهو معا إلا صوت عمي الأجش وهو يزجرها ويوبخها لأنها لا تلعب مع من في مثل عمرها حيث كنت أكبر منها بستة أعوام، لم أكن أدرك حينها أن عمى كان ينظر لى ولأشقائي بدونية فهو التاجر الثري، بينما والدي موظف حكومي لا يمتلك إلا راتبه.
وكان يوما حزينا بحياتى عندما قرر عمى ترك بيت العائلة والانتقال إلى بيت جديد يتناسب مع تضخم ثروته حيث صار من “الأعيان”، أصبت بما يشبه الانطواء ورفضت اللهو بدون رقية، وفشلت والدتى في محاولة انتشالى من حالة العزلة التي تقوقعت فيها بإقناعي أن أخرج من المنزل مع أبناء الجيران والأقارب، وفي المرات القليلة التي وافقت فيها انصرفت سريعا فلم أشعر بالسعادة إلا مع رقية دون أن أجد تفسيرا لماذا هي وحدها؟.
لم أعد ألتقيها إلا في المناسبات وكانت لقاءات قصيرة جافة خالية من أية مشاعر، فعيون كل من في المكان زائغة والألسن صامتة إلا بكلمات مجاملة يقولها الغرباء وليس الأقارب، فتيقنت أن عمي الذي كان يجلس متجهما يصر أن يبعد أسرته عن بقية العائلة ويعمق هوة الخلافات التي لم أكن أعرف سببها.
مرت الأعوام وعلمت من والدي بأن شقيقه قام بتزوير عقود وحصل على نصيب أكبر مما يستحقه من ميراثهما من جدي، لكنه رفض أن يقاضيه متوهما أن ضميره يوما ما سيؤنبه ويعطيه حقه لكنه كوَّن ثروة طائلة ووقع فريسة لنقمة المال الحرام.
على الرغم من تأثري الشديد بحديث والدي وحزني على الظلم الذي عاني منه، لكن ما فعله به عمي لم يتمكن من أن ينزع حب رقية من قلبي، كنت ألتمس لها الأعذار بأنها ليست مسئولة عن أخطاء والدها، وكان كل ما يشغلني أن يشعر قلبها بمشاعري الفياضة نحوها خصوصا بعد انتهائي من الدراسة وبدء حياتي العملية ورغبتى فى تكوين أسرة.. كانت فى عامها الأول بالجامعة فقررت الذهاب لها ومصارحتها بحبى فوجدتها تبادلني الإحساس ذاته، وأكدت أنها ستفعل المستحيل للارتباط بى وطالبتنى بالانتظار حتى الانتهاء من دراستها، حينها شعرت بأننى أحلق فى السماء مثل طائر أبيض جميل بجناحين من السعادة.
حصلت رقية على الشهادة الجامعية وكان لابد من بدء خطوات الارتباط بها على الرغم من إدراكي أنني سأسير وسط حقل من ألغام الخلافات والمشاكل، لكن إصرار حبيبتي على التمسك بى كان يحفزنى دائما على التصدي لأية عقبات، كنت أتوقع رفض عمي لكن كان بداخلى أمل بأن تنجح رقية فى إقناعه، فهى ابنته المدللة التي كانت تحظى بمكانة كبيرة في نفسه، كما أننى فى هذه الفترة كنت قد قطعت شوطا كبيرا فى التجارة بعد استقالتى من الوظيفة الحكومية وتحسنت حالتى المالية، لكن ما لم اتوقعه ولم يكن في الحسبان رفض والدي وتهديدي بقطع علاقته بي لو تزوجت ابنة عمى.
باءت كافة محاولاتى مع والدى بالفشل، ولم استطع أن أخبر رقية بما حدث لكن صمتى وتعمدى الهروب منها جعلها تدرك أننى تراجعت عن رغبتى بالارتباط بها، استسلمت لأمر والدى خشية غضب الله لو عصيته.
وبعد عدة أشهر فوجئت بوالدى يخبرني بأن عمى يدعونا لزفاف رقية على شاب يعمل “دبلوماسيا” ونجل شخصية مرموقة، رأيت في عينيه نظره شفقة لكني تخطيت الموقف العصيب سريعا بتأكيدى على أنه لابد من حضورنا، لم يرد واكتفى بنظرة حائرة.
تزوجت رقية وغادرت للإقامة مع زوجها بدولة أوروبية، وتفرغت للعمل وكونت ثروة كبيرة، وصرت أنافس عمى في عدد من المشروعات، كان والدى سعيدا بنجاحي وكان يطالبني دائما بالزواج ربما لشعوره بالذنب لرفضه أن أتزوج بمن اختارها قلبي، وافقت على الزواج من ابنة جارنا لكن لم يستمر الزواج أكثر من عام واحد لضجر زوجتي بانشغالي عنها فانفصلنا بهدوء، وشكرت الله أننا لم ننجب وعزمت ألا أكرر التجربة الفاشلة حتى لا أظلم إنسانة أخرى لأن قلبى لم تسكنه إلا رقية.
بعد وفاة أبى وأمى شعرت بوحدة قاسية وكانت اللحظات التى تجمعني بأبناء أشقائى هى الأجمل بحياتي، وسقط عمي صريع المرض، وعلى الرغم من أننى لم أره منذ أعوام وإدراكى للجفاء الذي بقلبه نحوي أصررت على زيارته، ولم أصدق نفسى عندما رأيت رقية تجلس بجواره فقد كنت أعلم أنها مازالت في الدولة الأوروبية مع زوجها، بادرتها بالسلام بيد مرتعشة من شوق السنين، ثم أبكتنى دموع عمى الذي كان هرما شامخا من الجبروت والذي لم يبق منه إلا جسد هزيل وعينان جاحظتان، وظل يتمتم بكلمات باكية بأنه كان يتمنى أن يكون والدى على قيد الحياة ليسامحه على ذنبه الذى ارتكبه في حقه، ثم طالبنى بأن أقسم على تنفيذ وصيته بعد رحيله.. هيبة الموت أجبرتني أن أعده دون أن أعلم ما هي الوصية، وصعقت عندما طالبني بالزواج من رقية، ثم بدد اندهاشي سريعا عندما أخبرني بأنها انفصلت عن زوجها منذ عامين بعد أن أنجبت طفلا اسمته باسمي لحبها الشديد لي، وزاد عمي في حديثه الباكي وطالبنا إن انجبنا طفلا بأن أطلق عليه اسم والدي، وبألا نسمح يوما أن يعرف طريقنا “المال الحرام”.