محمود درويش.. العازف على أوتار القصيدة

محمود درويش.. العازف على أوتار القصيدة

قصيدة “يختارني الإيقاع” نموذجاً

د. ركان الصفدي

اللوحة: الفنان الروسي مـارك شاغـال

  يعدّ محمود درويش أكثر الشعراء العرب المعاصرين اهتماماً بجماليات الإيقاع الموسيقى في القصيدة، يظهر ذلك في أمور كثيرة، لعلّ أبرزها وقفاته الموسيقية _ إن صحّ التعبير _ في قصائده الطويلة عند ترنيمات عروضية تبدو كالعزف المنفرد (الصولو) في سيمفونية، كقوله مثلاً: 

“قمر على بعلبكْ   

ودم على بيروتْ

يا حلوُ من صبّكْ

فرساً من الياقوتْ

قل لي: ومن كبّكْ

نهرين في تابوتْ

يا ليت لي قلبك

لأموت حين أموتْ”

  فهو نوع من التطريب الشرقيّ الذي يكثّف الحالة الشعرية والعاطفية. وكذلك احتفاؤه بموسيقى الألفاظ من جناس وحروف منغّمة وغير ذلك من مظاهر الجانب الموسيقي في القصيدة. وقد استولى عليه ذلك في شعره الأخير، حتى غدت العناوين نفسها منغمة موزونة، سواء في عناوين المجموعات أو القصائد، مثل: لماذا تركت الحصان وحيداً، كزهر اللوز أو أبعد… ولاسيما في مجموعته الشعرية “لا تعتذر عمّا فعلت” التي نختار منها قصيدته “يختارني الإيقاع”، لأنها تبدو اعترافاً من الشاعر نفسه بتمكّن هذه الظاهرة منه ومن شعره.  

  يشي العنوان “يختارني الإيقاع” بما ستتلاعب به أصابع الشاعر على بيانو القصيدة، فإن الإيقاع هو الذي سيسيطر على القصيدة قبل المعنى، فكأنها قطعة موسيقية أولاً أضيف إليها الكلام أو الأغنية.

  تبدأ القصيدة بإيقاع بحر الكامل (متفاعلن)، إذ يقف السطر الأول عند القافية (متفا):

يختارني الإيقاع، يشرقُ بي

أنا رجْعُ الكمانِ ولست عازفَهُ

أنا في حضرة الذكرى

صدى الأشياء تنطقُ بي…

  ويخبرنا من بدء القصيدة أنه “رجع الكمان” أي أنّ روحه أصبحت هي نفسها موسيقى، فلا غرابة أن تتماوج القصيدة كتماوج صوت الكمان. وهذه القصيدة إيقاعيّاً أشبه بدوائر الخليل العروضية التي يتغير فيها الوزن بحسب نقطة البداية التي ينطلق منها،  فإن طال وقوفنا عند حدّ القافية (قُ بي) في الإنشاد تحوّلت القصيدة إلى إيقاع الوافر (مفاعلتن) بعد ذلك إلى الأخير:

أخي أنا أختك الصغرى

فأذرف باسمها دمع الكلامِ

وكلّما أبصرت جذع الزنزلختِ

على الطريقِ إلى الغمامِ

سمعتُ قلبَ الأمّ

يخفقُ بي:…

  وإن قصرت وقفتنا وتابعنا الإنشاد استمر إيقاع (متفاعلن) إلى الأخير، فالقصيدة تعتمد على تدوير التفعيلة والقافية التي هي نوعان: قافية صائتة، ونعني بها القافية الممدودة الرويّ، مثل (الذكرى، الصغرى)، وقافية خافتة يمكن مدّ رويّها في الوقوف عليها أو تركها قصيرة الصوت إن لم نقف عليها، مثل (الكلامِ، الغمامِ، الظلامِ)، أما القافية الأساسية في القصيدة فهي خافتة (قُ) أي قاف مضمومة مردفة دوماً بلازمة هي (بي) في كل مرة على طريقة وزن فارسي ظهر في العصور الماضية يسمى “العجميّ”. وقد بدأت القصيدة وانتهت بـ”يشرق بي”، لتكون الأولى قراراً والأخيرة جواباً، وعبّر عن ذلك بقوله: “فيكمل الإيقاع دورته”. وفي إيقاع (متفاعلن) يجعل الشاعر القافية في وسط التفعيلة، وفي إيقاع (مفاعلتن) يجعلها في نهايتها، وفي كلتا الحالتين يُعلي النغم بالقافية الصائتة ويخفضه بالقافية الخافتة.

    وكذلك إن وقفنا عند حدود القوافي الثانوية الخافتة عادت القصيدة من الوافر إلى الكامل، وهكذا تتماوج الأنغام تماوج صوت الكمان، وتتوالد التفعيلات توالد السلالم الموسيقية المشتقة، وللقارئ أن يشارك في الانخراط في هذا التأليف الموسيقي، بحسب قوافي القصيدة. 

  وإن كنا لا نريد التطرّق إلى علاقة هذا الإيقاع بمعاني القصيدة، فإننا لا يمكن أن نغفل عن أن الشاعر كان في هذه القصيدة روحاً ممتزجة بالموسيقى التي أخذت منه القدرة على الكلام وتركته يذرف “دمع الكلام”، إذ تنطق عنه الأصوات والأشياء، وليس له سوى السمع والإصغاء إلى هذا الهديل، وبصر الأشياء من خلاله، فقد اختاره الإيقاع وجعله موسيقى، كصوفيّ يتّحد بنور إلهه فتتسع لديه الرؤيا ولكن تضيق به العبارة!


اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.