فلوس أزهرية مضروبة

فلوس أزهرية مضروبة

سعد عبد الرحمن 

اللوجة: الفنانة المصرية تحية حليم

نواصل نشر هذه الحكايات التاريخية من كتاب مخطوط بعنوان (مائة حكاية وحكاية من التاريخ) للكاتب والباحث سعد عبد الرحمن، الذي خصنا مشكوراً بمادته.

في آخر شهر ذي الحجة سنة 1224هـ ذهبت امرأة إلى عرصة (ساحة) الغلة بباب الشعرية واشترت حنطة (نوع من القمح)، ودفعت ثمنها قروشا، فلما ذهبت نظروها ونقدوها (نقدوها أي خدشوها ليعرفوا هل هي سليمة أم مغشوشة؟)، فإذا هي من عمل الزغلية (الذين يزيفون النقود)، ثم عادت بعد أيام فاشترت الغلة ودفعت الثمن قروشا أيضا، فذهب البائع معها إلى الصيرفي للتأكد من سلامتها فوجدها مزغولة (مزيفة) مثل الأولى، فعلموا أنها غريمتهم (أي التي جاءت من قبل بالقروش المزيفة) فسألها الصيرفي: من أين لك هذه القروش؟ فقالت: أخذتها من زوجي، فقبضوا عليها وذهبوا بها إلى الآغا (قائد العسكر المسؤول عن الأمن) فسألها الآغا عن زوجها ماذا يعمل؟ فقالت له: زوجي يعمل عطارا بسوق الأزهر، فأخذها الآغا وحضر بها إلى بيت الشيخ الشرقاوي (شيخ الجامع الأزهر) بعد العشاء، وأحضروا زوجها وقرروه فقال: لقد أخذت القروش من فلان تابع الشيخ الشرقاوي، فانفعل الشيخ لكلام العطار، وأقسم قائلا: ذمتي بريئة ممن فعل هذه الفعلة الشنعاء حتى لوكان ابني، وطلبوا ذلك الشخص الذي دل عليه العطار فهرب واختفى، وأخذ الآغا المرأة وزوجها العطار وهددهما بعقاب أليم إن لم يقرا بالحقيقة، فأقر العطار بأن هناك عدة أشخاص يفعلون ذلك ومنهم بعض مجاوري الأزهر، فلم يزل الآغا يتجسس ويتقصى عن أولئك الأشخاص الذين يزيفون النقود حتى عرفهم وقبض على مجموعة منهم متلبسين بالعدد والآلات التي يستخدمونها في التزييف، فحبسهم في القلعة عند كتخدا بيك (الكتخدا منصب كمنصب المحافظ الآن)، وفر بعض مجاوري الأزهر ممن كانوا مشتركين في الجريمة كما فر أيضا بعض المجاورين الذين لا دخل لهم بالأمر خوفا من أن يصيبهم الاتهام، فقد أصبح المجاورون كلهم محل ريبة وشك من السلطات.

وفي كل يوم كان يشاع انه سيتم التنكيل بمن قبض عليهم كما سيتم تجريسهم ثم قتلهم، ولم يزل الآغا يبحث ويفتش عن العدد المستخدمة في الجريمة حتى جمعوا ست عشرة عدة، وأرسلوها إلى بيت محمد أفندي ناظر المهمات (منصب أشبه بمنصب وزير الاشغال)، وسألوا الحدادين عمن صنع هذه العدد منهم فأنكروها جميعهم وجحدوها، وقالوا: هذه ليست صناعتنا وإنما هي صناعة شامية، ثم كسروا العدد وأبطلوها (جعلوها غير صالحة)، وطال زمن البحث عن بقية المتهمين كما طال أمر المحبوسين ففك الحبس عقال ألسنة بعضهم فأدلوا بمعلومات عن آخرين من شركائهم.

كانت هذه الحادثة من أشنع الحوادث لا سيما أنها نسبت إلى خطة (حي) الأزهر والمجاورين من طلبة العلم فيه، وكان كل من اشترى شيئا ودفع ثمنه قروشا للبائع ذهب البائع بالقروش إلى الصيرفي ليتأكد من أنها قروش سليمة وليست مزغولة، وكان البائع عندما يعرض القروش على الصيرفي يقول له: انظر إلى هذه القروش فإني أظنها قروشا أزهرية (يقصد أنها مزيفة).

ويعلق الجبرتي على ذلك بقوله: لا حول ولا قوة إلا بالله.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.