شعرية التكثيف والمفارقة في ديوان “نبضات” لفاطمة وهيدي

شعرية التكثيف والمفارقة في ديوان “نبضات” لفاطمة وهيدي

عبد الرقيب الوصابي

اللوحة: الفنانة النيوزيلندية باربرا ستراثدي

تعتبر قصيدة الومضة، من الأساليب الشعرية الجديدة في العصر الحديث، التي تأتي مكتملة ببنيتها العضوية، وبمعناها الذي لا يقبل إضافة، لكثافتها وتركيزها الشديد لغةً ودلالةً وشعوراً، مع غرابة المفارقة، وأسلوب السخرية اللاذعة، حيث تكون فيها مساحة المُصرَّح به أقل بكثير من مساحة المسكوت عنه وفى هذا النوع من القصائد يحيل الشاعر المتلقي إلى كل حرف من حروف قصيدته ومن ثم فهى تسمح للمتلقي بإعمال فكره واستخدام كل مهاراته الثقافية والأدبية واللغوية لفك طلاسم هذه القصيدة…

والومضة قبل أن تكون شكلاً، هي حالة إبداع فنّي تقني من نوع خاص، ارتبط انتشارها خلال أكثر من عقدين بتغيّر العصر والمكتشفات الكبيرة على صعيد الاتصالات، وكذلك المخترعات الحديثة التي تفاجئنا بها التكنولوجيا.

وقصيدة الومضة تعتبر قصيدة المثقفين ولا يمكن لأنصاف المثقفين أن يتعاملوا معها أو حتى يستمتعوا بها، وحتى يتنسى لها التفرد بهم، فإنها أي القصيدة، تتلبس الشاعر ضمن موقف معين، يتعايش معه ضمن حدود أبعاد الزمان والمكان، وتحت تأثير الحالة النفسية المعيشة، حتّى تنتهي أثراً ليس للشاعر الحقّ في تحديد مساره، ولذلك ليس لنا أن نُحدّد شكل الومضة.. وهذا ما يجعل قصيدة الومضة خارج التقسيم الشكلي لمراسيم القصيدة…

وقد جاء تعريفها كما نجده عند كوليردج: « إنها كيان مكتمل وصغير.. جسده الإيجاز.. والمفارقة روحه». ويُعرف عز الدين المناصرة الومضة: بأنها «قصيدة قصيرة مكثفة، تتضمن حالة مفارقة شعرية إدهاشية، ولها ختام مدهش مفتوح أو قاطع أو حاسم، وقد تكون طويلة إلى حد معين، وتكون قصيدة توقيعة إذا التزمت الكثافة والمفارقة والومضة والقفلة المتقنة المدهشة»

ولعل الشاعرة فاطمة وهيدي واحدة من أولئك العباقرة الذين أسهموا في إبراز قصيدة الومضة، وتطوير الاشتغال عليها، ففي مجموعتها الشعرية “نبضات” نجدها تُبني قصائدها الوامضة بناءا توقيعياً، أي بناء صورة كلية للقصيدة من خلال صورة واحدة تقدم فكرة، وانطباعاً بتكثيف شديد، فأخذت نبضاتها النفس البشرية في توتراتها وتقلباتها، كما اشتغلت على تنمية الحس الجمالي بالأشياء والعالم، آخذة اللغة إلى المناطق البكر والقصية في الوعي الإنساني، في الانزياح والانحراف عن سطح اللغة وعمقها، لإضفاء مزيد من التوتر عبر الفضاء الصوتي للغة، باعتبارها حقلا من الرموز والعلامات، وزادها غنى تداخل الفنون الأخرى مع الشعر، الذي انفتح على المعرفة، فتمثلها وأعاد إنتاجها وخضع لتأويلاتها.

ونبضات المجموعة تأخذ أبعادا وآفاقا مختلفة ومتجددة، تعمق بالشعر الخالص إنسانيتها، وحسها الجمالي، وفرحتها بالحياة والأشياء..

تقول الشاعرة: 

حتى جراحي..

أعشقها

فهي أيضا تشي بك..

وتقول أيضا:

ملكت أنت قلبي

فــملكت أنا الدنيا

نصوص في غاية الإيجاز، تبرز كأفكار سريعة مكثفة، أو كصور جزئية، أو كونية وضاءة في بساطتها، كأنها اللمع، تحليقات واستعادات، تبدو كالوميض، أو البرق الخاطف، وعلى الصورة الشعرية ذات الإشعاع القوي حين تتولد منها إثارة مفاجئة في اللاشعور. إنها تُلتقط في لحظة انبهار ضوئي يكشف جزئيات، وحساسيات ذهنية في غاية الحدة والوضوح، وأصبحت الذات الشاعرة، مصدرا للتجربة الشعرية وهيمنتها على موضوع القصيدة إلى حد الامتلاء بالطبيعة الطبيعة والإغراق في الذات، ففي الوقت الذي يمتلك الآخر قلبها، تفارق المعنى المتوقع، فإذا هي تمتلك الدنيا.. 

تقول الشاعرة:

تفلسف حتى يغريها 

فـ تبسطت حتى تذهله

وتقول كذلك في نبضة أخرى:

سأعدو بالمنام

لـ أصل للصباح أسرع

ولعل القارئ يلاحظ أن هذا اللون من الشعر المأزوم ذي اللحظة الانفعالية المحددة يتطلب فطنةً، وذكاءً من الشاعر، ونباهة من المتلقي؛ لأن قصيدة الومضة تُبنى بناء توقيعياً، أي بناء صورة كلية للقصيدة من خلال صورة واحدة تقدم فكرة، وانطباعاً بتكثيف شديد.

وقصائد المجموعة / عينة الدرس لا تموت إثر قراءتنا لها، ذلك أنه من الممكن قراءة القصيدة مرة بعد مرة، فينمو معناها طيلة الوقت، وحينما ينمو عمل فني ما في معناه، فإنه يصبح أقل تحديدا، وأكثر تجريدا..

تقول الشاعرة:

أتعجب

كيف يسعى الجميع للتحرير

وأنا أتمنى الأسر

وتقول كذلك في نبضة أخرى:

أكسجيني كاد ينفد

الآن أدركت 

أن إحدى درجات الاشتياق 

اختناق

إن كل التأثيرات والأفعال النفسية مردها إلى مصدر واحد، هو الإرادة، وعلى هذا فالإرادة والجسد واحد، الجسد هو الإرادة، منظورا إليها من الداخل، والإرادة هي الجسد منظورا إليه من الخارج، وهو ما يشفّ عن قوة مطالع نبضات الشاعرة، وتماسكها بنياتها حد المفارقة، تقول الشاعرة:

رغم أن نبضاتي سريعة جدا

متلاحقة

أشعر بـــها ثقـيـلة

مثخنة بالشوق،

وموجعة

أشتاقــــك حـــد البكاء

وكأنما تريد الشاعرة أن تقول من وراء هذا الإيجاز والتكثيف أن تؤكد لنا بوعيها النقدي، أنه كلما كان العمل الفني قصيرا مال إلى القول الشعري، وكلما كان طويلا انحاز إلى الخطاب النثري، وكلما اتسعت الرؤيا، ضاقت العبارة- حد تعبير النفري.. وقد غدت معها قصائد المجموعة تعبيراً عن لحظة انفعالية محددة، تبحث عن سلام حقيقي مع النفس ومع الآخر، كمشروع لتأسيس هوية إنسانية وجمالية، ومن خلال موضوع الحب، تجد نصوص الشاعرة حيزا للتعبير عن فرح ربما لن تجده إلا هناك، فرح بالحياة، بالعلاقة الإنسانية، بمشاركة الآخر، أسئلته وحياته وتطلعاته وأحلامه، وهذا ما يؤكد أن نصوص المجموعة تخلقت من نسق معرفي تم انتقاؤه من عدة مرجعيات، ومن مستويات نصية متباينة، تتداخل وتتناقض، ومنها تتشكل هويتها، لكن صياغة خاصة بأسلوب جمالي ودلالي يكشف عن حضور تلك الألفاظ الغائبة، أي التي لا توجد على الأرصفة – حد تعبير الجاحظ.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.