سيرة قصيدة مقطوعة من شجرة

سيرة قصيدة مقطوعة من شجرة

عبد الله الهامل

اللوحة: الفنان السعودي عبد الله حماس

يفكر الشاعر في طبع كتاب ليرى صورته على ظهر الغلاف

مبتسما او مهموما؛

وما إن يحمله خارجا من المطبعة حتى تخرج كلماته 

مثل عقارب كانت مختبئة في جحر

تلدغه اللعينة 

هي التي رباها في سهوه وفي شروده وهو يركل العالم

وهو يدندن لحنا لبوب مارلي في جنازة جاره

وهو يجلس أمام البحر ويبكي

وهو يخترع كابوسا ليحكيه الى نفسه 

وهو يركب حافلة لا يعرف وجهتها …

يفكر الشاعر- عادة- هكذا

ولا يرعوي 

***

 في إحدى قصائدي القديمة

التي أضعها مع أحذيتي ونظاراتي التي لم أعد أستعملها 

التقيت شاعرا يشبهني 

يتحدث بحماسة عن شهوة تغيير العالم،

عن الحب والأطفال 

وعن حروب الفقراء والعين الثالثة في قلب الشاعر 

ناولته سيجارة وأشعلتها له 

وقلت: عد إلى قصيدتك،

الجو بارد جدا في الخارج 

لن تحتمل قساوة الطبيعة.

***

في قصيدة الخامسة فجرا، قطيع إبل يمشي خببا إلى أرضه الأولى 

أشجار تستأنس بهسيس النسغ في أعماقها وتفيض أمومة

في قصيدة الخامسة فجرا 

صيادون يعودون إلى المرفأ بشباك ممزقة، وخيبة تم ترويضها بهدوء وتؤدة

قصيدة الخامسة فجرا 

أكملت تطوافها

وعادت إلى رأس الشاعر 

مثل قطة بيتية في موسم التزاوج ترجع إلى البيت 

 ومواء خفيض.

***

في قصيدته التي لم تكتمل

ذئب عالق بفخ صياد ويعوي،

شارع موحل بمدينة من العالم الثالث بعد سقوط المطر في آخر الليل، لم يبق فيه غير قطط مشردة وسكير يشتم العالم ببذاءات قديمة.

قصيدته التي لم تكتمل

تعبت من انتظار آخر الصور الشعرية

لتغلق باب بيتها

وتستسلم للنوم…

قصيدته التي لم تكتمل

 قررت أن تتبع السكير البذيء 

وان تفعل مثله.

***

تأخرت القصيدة في العودة إلى البيت

قلق الشاعر وقلقت كلماته

وخرجوا للبحث عنها؛

كانت القصيدة تهتف في مظاهرة ليلية مع الجوعى وسكان القصدير.

***

قصيدة النثر فلاحة بقدمين، عندما تمشيان على الأرض تخلفان خلفهما غبارا يلاحقه غبار، مثل ميلاد زوبعة في الخلاء.

قصيدة النثر شجرة في الأمازون، تسكنها قردة وحساسين وبومة عجوز، وأنواع أخرى لا يعرف أسماءها العامة.

كلهم يسكنون الشجرة مجانا.

قصيدة النثر صرخة صياد في رسمة بالطاسيلي.

قصيدة النثر تعويذة كاهن لا يصدقه أحد.

***

القصيدة المحاذرة 

مثل أرنب يرفع رأسه الصغير 

ترتاب عينه من النأمة،

القصيدة المحاذرة 

تلتقط كل ما يدور وما لا يدور 

تسمي الشجرة العتيقة جدة 

وتلعب بالذكريات ككرة من قش في ملعب مترب على طريق المقبرة.

***

القصيدة أيضأ بهذه النواحي

مثل متقاعد من الجيش 

حمل السلاح وتدرب في الأحراش

تحمل بذاءات قيادييه

وعقوباتهم المذلة

لكنه لم يخض حربا؛

القصيدة التي عادت من الثكنة 

تتشمس كل صباح 

تخرج رأسها ببطء لمراقبة الوضع

لكنها سرعان ما تدخله؛

لا شيء جدير لرؤيته بالخارج.

***

في القصائد التي سيكتبها شعراء آخرون في المستقبل 

لن تجد البشرية التفاحة متدلية خجلى أعلى الشجرة 

ولن يكون حقل القمح كما كان في عيني فان كوخ في النأمة الأخيرة قبل الصرخة 

ولن يجد الناقد الأريب مفاتيح لحقله الدلالي 

ذلك أن الشعر سيكون بلا دلالة 

ولا نسق ولا استيطيقا؛

التفاحة ستكون بيضاء في يد الشاعر 

وحقل القمح سيكون حفلة هالوين بلا أقنعة.

***

في قصائده 

كان يربي أوهاما صغيرة يسرح بها

ثم تفترسها ذئاب العزلة 

الشاعر الوحيد كالغول في قصص الجدات الموشومات بما نسي في حجر الطاسيلي.

***

حزينة ورقة الشجر وهي تسقط في خريف مفاجئ

حزينة جدا وهي تتلاوح ببطء. 

الشعر وحده من يسمع أنينها

ويرى دمعتها.

القصائد وحدها من تعزيها.

ورقة الشجر الصفراء الحزينة

شريدة الطبيعة التي لا يعرفها أحد.

***

القصيدة برائحة زمبو والكسكسي الساخن تضعه الأمهات بأكفنا الصغيرة شرط أن لا نبكي من الألم حتى نغلب أقراننا ونغلب العالم؛

القصيدة تطول مثل أظافر عيشة قنديشة تخمش أحلامنا المغطاة بحنبل ينام تحته عشرة أطفال؛

تطول القصيدة أكثر 

وتكتب سيرة ما ضاع مني.

***

القصائد لا تنام

تهدهد شاعرها، حتى ينام 

تغافله لتسيح في أقاصي الليل،

لكنها تجد نفسها اخيرا هائمة على وجهها في أحلامه.

***

هذا الصباح 

رأيت قصائدي معروضة للبيع بسوق الملابس المستعملة 

تعرفت عليها من زر ناقص كنت نزعته للضرورة غير الشعرية

ومن خرق في ركبة سروال جينز كنت أحدثها عمدا على طريقة الهيبي؛

قصائدي كانت هناك

مسحت عليها بنظرة حانية

ومضيت.

***

حطت غيمة غاضبة 

داخل إحدى قصائدي تفتش عن قطرات مطر كانت قصيدتي قد سرقتها منها في شتاء سابق لكنها لم تجد شيئا 

قطرات المطر كانت قد تحجرت؛

قصائدي كئيبة يا صديقتي الغيمة 

حتى العصافير والفراشات إذا مرت بها تتحول إلى حجر؛ 

قصائدي سدوم ملعونة.

         ***

قصائد الصيف 

ستكمل قريبا بياتها الشتوي بغار المجاز. 

قصائد الصيف ستخرج ثانية إلى العالم وتكتئب كالعادة 

ذلك أن الذكريات والكلمات تتبخر في الطبيعة.

***

تجلس القصيدة القرفصاء على حصير المجاز مثل جدة عتيقة 

لتكمل حكاية الليلة الماضية،

أحفادها الشعراء يتثاءبون أمامها فقد أنهكهم اللعب في الوجود.

***

عثرت بإحدى قصائدي على دودة صغيرة تتلوى 

كنت استعملتها في طفولتي كطعم لصيد طائر.

الطائر الأريب اصطاده الفخ ومات؛

طيلة هذه السنوات بقيت الدودة تتلوى بقصيدتي 

ولم يظفر بها طائر.

***

نسي شاعر صورة شعرية بحانة،

آخر الليل كانت تدق بابه سكرانة محدثة جلبة كبيرة 

مطالبة بحقها في ميراث القصيدة.

***

القصائد المحنطة في الكتب على الرفوف 

تتململ وتريد أن تشنق شاعرها لتحقق نبوءة اللعنة.

القصائد المسجاة هناك تتمتم بتعويذة ما 

وعازمة على قتل شاعرها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.