اللوحة: الفنانة الكويتية هاجر عبد الرحمن
على غير عادتي نفضت غبار وحدتي وأطلقت ساقيي للريح، اخترقت عدة شوارع وميادين وأنا هائمة على وجهي بحثا عن شعاع من نور يبدد عتمة قلبي الحزين، أو وجوه جديدة اتفحصها، كنت اتمنى لو استوقفني أي شخص لأتحدث معه فقد ضجرت مني حوائط بيتي الصامتة من حديثي الباكي معها يوميا.
بعد جولة مرهقة وفي طريق عودتي إلى البيت لم أشعر إلا وأنا في شارع يبدو من مبانيه المتصدعة الفقر المدقع لساكنيه، وفجأة تسمرت قدماي أمام سيدة عجوز تجلس على عتبة بيتها، ملابسها السوداء الرثة، والتجاعيد على وجهها العابس اصابتني بالخرس فلم اَنْبَسْ بِبِنْتٍ شَفَةٍ وانصرفت وصورتها لا تفارق خيالي، وعلمت من جارتها أن اسمها «أم يوسف».
كنت أحرص عندما أذهب لابتاع بعض متطلبات البيت على المرور في الشارع الذي تقطن به هذه السيدة على أمل رؤيتها وفي احدى المرات دنوت منها، وبصعوبة أشاحت عن وجهها المدفون بين راحتيها النحيفين، حاولت رسم ابتسامة على وجهي ثم ألقيت عليها السلام فردت بكلمات مقتضبة.
سألتها عن سبب جلوسها وحيدة وأين بقية أفراد أسرتها؟ قالت بصوت خفيض إن زوجها هجرها منذ أعوام لا تذكر عددها بعد أن اشتد عليه الفقر والمرض وبات عاجزا عن تحمل النفقات، وترك لها ثلاث بنات وولد وظلت تعمل خادمة في البيوت لتنفق عليهم حتى تمكنت من العبور بهم إلى شاطئ الأمان فتزوجت البنات وسافر الولد إلى الخارج لكن نادرا لو سأل عليها أي منهم، وتعيش الآن على مساعدة أهل الخير.
لاحظت أن عينيها تفتقدان الإحساس بحركاتي وأخبرتني أنها تحتاج إلى جراحة وطلبت من ابنها أن يمنحها مبلغا من المال لتتمكن من العلاج لكنه تجاهل طلبها، ولم تكترث بناتها بالذهاب بها للأطباء قبل أن تسوء حالتها، نفذت كلمات هذه السيدة البائسة إلى سويداء قلبي، وما زاد وجعي صبرها الجميل على الألم ورضاها على ظروفها البائسة وعبارات الحمد والشكر للخالق التي لا تفارق حديثها، والأغرب أنها لم تصدر كلمة مسيئة بحق أبنائها الذين يستحقون طعن قلوبهم القاسية المتحجرة بخناجر مسمومة.
وعدتها بزيارة قريبة وطالبتها بألا تنزعج من حضوري بعدما لاحظت أنها تفضل الوحدة والانعزال، هرولت إلى بيتي وأول ما ذهبت إليه يداي كان مبلغا احتفظ به للإنفاق على جنازتي فقد كنت اتعجل الموت وأراه أرحم من وحدة مؤلمة بعد وفاة زوجي وشقيقتي، ثم هجرة ابني الوحيد الذي لم يرق لدموعي وتوسلاتي له بالبقاء بجواري فيما تبقي من أيام في حياتي وانصاع لإرادة زوجته المتعجرفة ابنة العائلة الارستقراطية، حتى جارتي الوحيدة التي كانت بمثابة الأخت وتؤنس وحشة وحدتي هي الأخرى سافرت للإقامة مع ابنتها بالخارج.
استيقظت باكرا وبعت قطعة من مصوغاتي ووضعت قيمتها على المبلغ الذي كان بحوزتي لأستطيع إجراء الجراحة لأم يوسف التي تشاركني ألم جحود الأبناء.. كنت أراها هدية من الله وتعويضا عن صبر سنين فأخيرا صار لي هدفا أسعى لتحقيقه، فلا يوجد هدف أجمل من إسعاد قلوب مظلومة تعاني من الجفاء وموت المشاعر والأحاسيس.
كدت أطير من السعادة وأنا في طريقي إليها وكان الأمل يحدوني بأن أكون سببا لرسم البسمة على شفتتها أو أعيد بصيص من النور لحياتها كاحلة السواد.. وصلت إلى بيتها فلم أجدها تجلس كعادتها وأخبرتني جارتها بأنها مريضة وترقد بالداخل.. دخلت بصعوبة فلم أر كف يدي من الظلام بالمكان.. شعرت بانقباض شديد ارتجف له قلبي عندما رأيتها ممدة على سرير متواضع.. وهي وحيدة كسيرة تخيلت نفسي في المصير ذاته.. طالبت جيرانها بمساعدتي في نقلها إلى أقرب مستشفى لكنها رفضت وقالت «أتمنى أن أموت في بيتي «.. أحضرت طبيبا خاصا وبعد الكشف عليها أصر على نقلها إلى المستشفى لخطورة حالتها التي تحتاج إلى رعاية فائقة لكنها جددت رفضها بترك بيتها.
طلبت منها عناوين أو أرقام هواتف أبناءها لإخطارهم بتطورات ظروفها الصحية لكنها ترجتني ألا أحاول الوصول إلى أي منهم.. أمضيت ليال طويلة بجوارها استمع لقصتها التي تحمل بين سطورها ملحمة عطاء قلما تتكرر وكيف كانت تعمل نهارا خادمة في البيوت وليلا في عيادة طبيب حتى تفي بطلبات أبنائها، ثم ذاقت الأمرين لتدبير نفقات زواج بناتها، وعلى الرغم من جحودهم تبتهل دوما للخالق أن يسعدهم وتبرر عدم زيارتهم أو الاهتمام بها بظروف الحياة القاسية.
في كل ليلة كانت تعطيني «أم يوسف» درسا في التفاني بالعطاء وفيض المشاعر، وعندما رويت عليها تفاصيل حكايتي طالبتني بأن أغفر لابني لتخليه عني في وقت احتياجي إليه حتى لا يغضب الله عليه.. طالبتها بأن تقاوم المرض وتتعافى سريعا للبدء في البحث عن حلول لمشاكل عينيها فردت بقناعة بأنها ترى بقلبها ولا تحتاج الرؤية بعينيها.
مرت أسابيع ولم افوت يوما بدون أن أراها، وجدت فيها ما كنت افتقده من حب وحنان صادق وكانت الساعات التي أقضيها معها تمنح قلبي سعادة غابت عنه منذ أعوام.. عفويتها ونقاءها وزهدها أعطتني طاقة إيجابية لتحدي ما أعانيه من وجع.
لكن القدر لم يمهلني كثيرا لتطيب جراحي وكفكفت دموعي وغسل أحزاني في نهر حب «أم يوسف» إذ فاضت روحها إلى بارئها وعلى وجهها ابتسامة رضا لتترك بقلبي حزن عميق، وللمرة الأولى رأيت بناتها الثلاث اللاتي فقدن الرحمة واستبدلن قلوبهن بحجر من صنوان، وسمعتهن يتهامسن عن ضرورة سرعة الدفن وعدم إخطار شقيقهم بالوفاة خشية أن يفكر في العودة من الخارج لحضور الجنازة التي ستكبده مبلغا ماليا، حينها فقط أدركت لماذا كانت ترفض «أم يوسف» ألا اتصل بأي من بناتها الجاحدات الناكرات لعطاءها.
فكرت كثيرا كيف اكافئ هذه السيدة على مشوارها في التفاني، ذهبت إلى جمعية خيرية وأودعت المبلغ الذي جمعته لتجري الجراحة في عينيها ليكون صدقة جارية على روحها للأيتام والأرامل.. لا أنكر أنني عدت مجددا إلى وحدتي بعد وفاة «أم يوسف» لكن يكفي هذه العجوز الرَّحُومُ دون أن تدري أو تقصد أنها فتحت بقلبي طاقة أمل ونور وفجرت نهرا من الخير والعطاء.. ومنذ هذه اللحظة صار هدفي إسعاد القلوب البائسة الصابرة على الألم.