حنان عبد القادر
اللوحة: الفنانة الأرجنتينية سيسيليا جيرالدو
(1)
تنطلق الأبواق تباعا تقض مضجعي الهادئ، تقلبات تنتاب عالمي الصغير، لا أدري ما الذي يحدث حولي، زلزلة تحيط بي من كل جانب، ينطبق الجدار علي ثم ينفرج، يتقلص حول جسدي دافعا إياي نحو فتحة سفلية، أتشبث بأظافري الغضة في ثنايا الجدار علّني لا أنزلق، لكنه يقذف بي نحو بقعة الضوء، هاتف يناديني: اخرجي، اخرجي، لن يفيدك العناد، حان وقتك الآن، فلتستسلمي لقدرك.
مبهورة العينين خرجت، أفغر فاهي من هول ما أرى، ودهشة عظمى تشبع روحي.
- يصرخ فيّ: ابكي، ابكي، لم لا تبكي تلك الصغيرة؟
يضربني بعنف على ظهري، أعانده، لكن سياط أصابعه تلهبني فأطاوعه على مضض، وعيوني كلها تحد، أقسم ألا أبكي ثانية.
ترتسم ضحكة بغمازتين على وجهي، تطالعني عيون أمي الذاهلة في بهجة لأول مرة، تقبلني، تحملني أيد لا آلفها بعيدا، يمارسون علي طقوسا غريبة، يلفون جسدي المنهك بقسوة، ويضعونه في مهد بارد، من شدة الإرهاق أغفو، أفيق على ضجيج أصوات متداخلة، تعلو أحيانا ثم تنخفض، ثم تهوم مبتعدة تاركة أشباح أجسادها في عيوني، لكني لم أميز بينها صوت أمي ولا رائحتها، آه، ما هذا الصقيع المتسرب إلي؟ أين دفؤها؟
أحن إليه، أحاول أن أنادي عليها: أمييييييييييي، فلا يخرج صوتي، تمر بعض أشباح حولي، أحاول أن أستوقفهم بحركاتي تارة، وبما يخرج من تلك الحنجرة، لا أدري ماهو، أهذا صوتي؟ معقول؟
أتذكر ذلك الشرس لما أجبرني على البكاء، الجميع وقتها التف حولي، وقبلتني أمي في حنان قبل أن يبعدوني، نعم، إنه الوسيلة الوحيدة للفت انتباههم، فلأفعلها إذن، لا، لقد أقست ألا أبكي، لكنها وسيلتي الوحيدة الآن، هيا، ارفعي عقيرتك، وااااااااااا، أكثر، واااااااااااااااااااا، أعلى من ذلك قليلا، واااااااااااااااااااااااااااااااااااا.
ههههه، الآن تهرع الأشباح نحوي، هيا هيا، احملنني إليها سريعا، أشتقت لتكوري بين جنبيها، لاستنشاق عبيرها، للغفوة في حضنها، أريد أن أبثها مخاوفي، وتبثني الحياة، هكذا تفعل دوما مذ وعيت لها تتلمسني من خلف جدار، أبش لها، وأسرع واضعة كفي الصغيرة قبالة كفها الحضن، تهمس لها أناملي بما يعتمل في قلبي، فتحادثني عني وعنها، وعن حياة خضراء تنتظرني بعد خروجي، وعش جميل أعيش فيه معها ومع أسرة تعرفت إليها من حكاياها، لكني كنت أحجم خوفا، أما هي فلا تزال تنتظرني بشوق، تترقب اللحظة الحاسمة التي سأقطع فيها الرحلة خارجة إليها.
مذ كنت في ظلمات ثلاث، كلما حدثتني عن الخروج اثاقلت، ولما قويت أوصالي كان لزاما علي أن أستكشف ما خلف الحجب، وهاأنذا لا أدري هل أصبت بخروجي أم لا؟، وما الذي ينتظرني خلف العتبة الفارقة بين حجاب وحجاب، جهل وجهل، حياة هيء لي أني ألفتها، وحياة أجهلها، لكنها خطوة يجب أن أخطوها.
(2)
بين ساترين نسير، تأخذنا الحياة معها، منذ ولوجي فيها عابرة ساتر التكوين، والحرب لا تنتهي إلا لتشتعل، صخبها قاتل، وحبها القابع بالروح مميت، نتشبث بأذيالها فتترفع، نقاتل من أجلها؛ فتمنح نفسها للعابرين، تهلكنا بعشقنا، وتحيينا بالصدود.
راوغتني ففطنت، جرحتني فسموت، علمتني فجهلت، وهِمتُ إلى الحقيقة همت، أيقنت بعد لأي سراب مائها وخداع بهجتها.
استتار الحكمة خلف الغيهب لا يجلوها إلا بصر رفع عنه غطاؤه فهو حديد.
عاودني الحنين إلى بطن أمي، سئمت الجنة الزائفة، أحن إلى جنة لاتزول، طرقت باب العرافين والعارفين فأنبأوني بالخلاص، سيأتيني به المخلص الأعظم، حتما سيرسل رسوله إلي عندما يحين دوري، ستسقط ورقتي بعدما ينتهي دورها، لكن علي أن أنتظر.
(3)
الآن تقرع الطبول، وتدق الدفوف، القيثارة الغافية هناك على جناح سحابة تستيقظ، تعزف لحني، ترنم كائنات النور أنشودتي، تحلق مشرعة باب معراجي إلى السماء، ترسم بأجنحتها هالتي وتدعوني للصعود، يثاقل طيني، أحاول الخلاص، فتستل يد الرحمة شوكتي، أنطلق محلقة كنسيم، يناديني الطين متوسلا، لا تتركيني وحيدا، أتبسم ملوحة له: لا تبتئس، ستدخل رحم الأم الكبرى لتخلق من جديد، لا تحزن، سأكون على مقربة كي أحيا بارتدائك ثانية حياة الخلود.
التفوا حولي، مارسوا طقوسهم المعهودة، لفوا جسدي المسجى في شرنقة بيضاء، وضعوه في مهد خشبي ثم انطلقوا به إلى مكانه في الرحم الكبير.