اللوحة: الفنان الإسباني فرانثيسكو غويا
كتلة من لحم تتدحرج بصعوبة، تتأرجح ذات اليمين و ذات اليسار، ناورتها للفرار من جانبها، كدت أصطدم بها لولا أن رفعت رأسي و أبديت اعتذارًا، فقد خشيت أن تظن بيّ الظنون، هي بشحمها، وإن ترهلت عن ذي قبل، زالت عن وجهها مساحيق التجميل الكثيفة، لكن بقي بضع من آثار من جمال بائد، أجزم أنها لا تعرفني، فقد أدركت آواخر عهدها وأنا صبي دون الثامنة، شُهرتها آنذاك كانت تطن في الآذان، راقصة تحترف المهنة ورثتها عن أمها، تعرفها الأحياء الشعبية، بأم الغلام.
تصعد خشبة المسرح بعد العشاء، بزيّها الذي يئن من حملها، تهتز تحت وطأة موسيقى صاخبة ضائعة الملامح واللحن، فتضطرب أفئدة الحضور، لا يعنيهم مهارتها في الرقص، يهتمون بما تسعى وراءه غرائزهم، يعسكرون في أماكنهم الأمامية قبل أن تسير الشمس لمرقدها.
تنتهي «أم الغلام» من وصلتها الأولى و عرق يغمرها، موقنة أن أكل العيش دون جهد أمر تمجّه نفسها الأبيّة، تجلس وراء عازف ايقاع فرقتها، تتقاطع ساقاها العاريتان المكتنزتان، تحت المسرح تتطلع العيون إليها، بينما تأسف بعض النسوة من وراء خصاص نوافذهن على حالهن، فإن أخريات يلعنّها جهرًا..
في انتظار وصلتها الثانية، لا تنقطع «النُقطة» عن التدفق حتى تغيب ملامح خشبة المسرح البدائي تحت أكوام كبيرة من النقد.. والسهرة عامرة بما لذ وطاب من المُنكر، معاقرة رديء الخمر وتدخين الحشيش من أبجديات الليلة.. بدهاء أنثى تدرك «أم الغلام» تلك البديهية، فتطيل قعدتها على كرسيها، تهز ساقيها، على فمها ابتسامة رضا عن ليلتها، حتى يقترب الليل من منتصفه، تدور الرؤوس، تثقل الجفون، تئن الصدور من الموسيقى الزاعقة، في تلك اللحظة تنهض لوصلتها الأخيرة، فيتحرر الحضور من حرية العقل، تتحرر «أم الغلام» من بقايا ملابسها.