حانة الشعراء
اللوحة: نيتشه بريشة الفنان النرويجي إدفارد مونك
أثار الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه جدلاً كبيراً بأفكاره، وكانت آراؤه إشكالية في زمنه، هاجم الأفكار المكرسة، والقيم والمثل التي تشكل مظهراً أساسياً للمجتمعات المتحضرة؛ وتناول في كتاباته الأسئلة الأساسية حول كُنه الإنسان وطبيعته ومصيره، واهتم بموضوع السلوك البشري، وغالباً ما كانت أفكاره والنتائج التي توصل إليها صادمة وغير مقبولة، ومع ذلك قد يكون من أكثر الفلاسفة والمفكرين الذي طبعوا القرن العشرين بطابعهم؛ مع أنه توفي (١٩٠٠م) قبل أن يبدأ هذا القرن، وقبل أن تتضح سماته الأساسية والمتمثلة في التكنولوجيا، والحروب واسعة النطاق التدميري، وأسلحة الدمار الشامل، والسينما، واستكشاف الفضاء، وكثير من القضايا المستجدة في التاريخ البشري، والتي ستشكل أفكار هذا الفيلسوف طرفاً أساسياً في النقاشات الدائرة حولها.
تعتبر أفكار نيتشه هي الأكثر تأثيراً في السينما، إذا ما نظرنا إلى الخلفية النظرية والفكرية للعديد من الأفلام التي تناولت مصير الإنسان وقوته وضعفه، ومفهوم الزمن وتداخله، وغير ذلك من الموضوعات الفريدة التي أعطت كثيراً من الأفلام هذه المقدرة على الذهاب بعيداً في تحليل فلسفة الحياة، وإعادة تركيبها بفنية وخيال مدهشين.
يقول نيتشه:
خلف سطح الحياة الحديثة المغلّف بالعلم والعقلانية، تكمن قوى دافعة بربرية لا أثر فيها للرحمة.
لقد محونا الأفق كله. وحررنا هذه الأرض من شمسها.
أرسلناها باستمرار إلى القاع، إلى الوراء، إلى الإمام، وفي كل الاتجاهات.
أما زال هنالك أي شروق أو غروب؟ لقد أصبح عالمنا أكثر برودةً.
وحول طبيعة الحياة والزمن يقول:
ماذا لو خرق جنّي – في الليل أو النهار – أكثر لحظاتك توحدًا، وقال لك: هذه الحياة التي تعيشها الآن والتي عشتها سابقاً، عليك أن تعيشها ثانية وثالثة ومرات لا متناهية؛ ولن يكون هنالك أي شيء جديد فيها.. كل وجع وكل مسرة وكل فكرة وكل آهة وكل فعل، مهما كان صغيرًا في حياتك يجب أن يتكرر معك، بالترتيب نفسه، حتى هذا العنكبوت وضوء القمر الذي يتسلل الآن بين الأشجار، بل حتى هذه اللحظة التي أنا فيها الآن.
الساعة الأبدية للوجود تنقلب رأسًا على عقب، وتعيد نفسها مرة أخرى وأخرى، وأنت معها، مجرد بقعة غبار.
ويضيف:
إن كل اتجاه في خط مستقيم هو اتجاه كاذب، فالحقيقة منحرفة، لأن الزمان نفسه يسير بخط دائري؛ أبدية الماضي وأبدية المستقبل، هما في الحقيقة أمر واحد موحد في لحظة واحدة تسمى: الآن؛ الآن هو الكل والكونية، ما وقع البارحة وقع، وما سيقع غداً سيقع دائما؛ اللحظة المستقبلية، تلك اللحظة الآنيّة الصغيرة التي ستأتي بعد، دائما ستعود.
كل شيء يظهر إذاً كبداية ونهاية كونية، كل لحظة هي دائرة مغلقة، كل شيء يظهر بصفته أصل وهدف.
وعن الحب يقول:
الطمع والحب: يثير كلا المفهومين مشاعر مختلفة لدينا! ومع ذلك، قد يكونان مظهرين لغريزة واحدة، لكن لديها اسمان مختلفان.
عندما تهدأ هذه الغريزة داخل النفوس نتيجة نقص أو إهمال، وعندما نخاف على ما نملك، وعندما نكون غير راضين ورغباتنا مازالت متأججة، نمجد وقتها الغريزة على أنها “خير”.
من نصوصه القصيرة:
اجعلي شعلتك، يا روحي، تتقد.
دعيني في لهيب الصراع أجد جواباً لجوهرك اللغز.
دعيني أفكر وأحيا آلاف السنوات.
وأُفرغ فيها كل ما لديكِ.. كلّه.
وإن لم يكن لديكِ من سعادة باقية تقدمينها لي، فلن يكون في وسعكِ أن تزيدي آلامي.