واعظ وضلالي

واعظ وضلالي

سعد عبد الرحمن

اللوحة: الفنان التونسي نجيب بلحوجة

نواصل نشر هذه الحكايات التاريخية من كتاب مخطوط بعنوان (مائة حكاية وحكاية من التاريخ) للكاتب والباحث سعد عبد الرحمن، الذي خصنا مشكوراً بمادته.

في شهر صفر من سنة 1205هـ حدثت واقعة مستنكرة، فقد توفي رجل من البوشناق أو البشانقة على حسب تعبير الجبرتي (مسلمون من أصل سلافي بلادهم الأصلية ما يطلق عليها الآن البوسنة و الهرسك)، وكان قبل وفاته قد جعل من عبد الوهاب أفندي بوشناق الواعظ و هو من أهل بلدته وصيا على تركته، فلما مات الرجل استولى الواعظ على تركته و استأصلها (استحوذ على كل شيء فيها)، وكان للرجل المتوفى شركة (عمل أو تجارة شارك فيها آخرين) بناحية الإسكندرية فسافر الواعظ إليها و حاز على نصيب المتوفى في الشركة و عاد إلى مصر (القاهرة)، و لما حضر الوارث و طالبه بتركة مورثه المتوفى أعطاه منها شيئا نزرا (قليلا جدا) وقال له: إن هذا كل ماتركه المرحوم.

لم يقتنع الوارث بكلام الواعظ وأحس أنه رجل ضلالي ياكل مال النبي ويريد الضحك عليه والاستئثار بالتركة ولا يعطيه منها إلا الفتات فذهب من فوره إلى القاضي شاكيا له ما حصل من عبد الوهاب أفندي بوشناق الوصي فاستدعى القاضي الوصي وكلمه في الأمر وأخبره أن الوارث يدعي عليه بكذا وكذا وأخبره أيضا أن عند الوارث إثباتات بما يدعيه عليه وقد اطلع عليها واقتنع بصحتها، فقال له الواعظ: أنا وصي مختار وأنا مصدق لدى الجميع، ولا أحد يستطيع أن يتهمني بشيء، وليس للوارث عندي سوى ما سلمته إليه ولا شيء غير ذلك، وطال الحوار والجدل بين القاضي والواعظ فأغلظ الواعظ للقاضي، وتطاول عليه في الكلام واستجهله (اتهمه بالجهل فيما يتعلق بأحكام الميراث)، وكان الواعظ من البجاحة وسلاطة اللسان ما جعل القاضي يستشيط منه غضبا، ولكنه عندما لم يصل معه إلى حل لم ير حينئذ بدا من عرض الأمر على الباشا الوالي ليفصل فيه، فطلع القاضي إلى الوالي و أخبره القصة بتمامها وما حصل من الواعظ من تطاول عليه في الحوار، فأمر الباشا الوالي بإحضار الواعظ، فأحضر إلى الديوان وتمت مناقشته وسط جمع الديوان إلا أنه لم يتزحزح عن أقواله الأولى للقاضي، ولما ضيقوا عليه الخناق احتد ورمى جميع الموجودين بالانحراف عن الحق، فغضب منه الباشا وأمر برفعه من المجلس، فقبضوا عليه و جروه و ضربوه ضربا مبرحا ورموا بتاجه (غطاء رأسه) في الأرض وحبسوه في إحدى الغرف.

تصادف لسوء حظ الواعظ الوصي أن ورد مكتوب من أحد المفتين في المدينة كان الواعظ قد أرسله إليه لسبب من الأسباب، وكان في المكتوب كلام فاحش عن الباشا وتعريض به وبالأمراء، ويبدو أن المفتي كان يكن كراهية باطنية شديدة للواعظ لسابق خلافات بينهما لذلك أرسل المكتوب إلى إسماعيل بيك الذي لما قرأ ما فيه أسرع بإيصاله إلى الباشا الوالي وعندما اطلع على ما فيه أرعد وأبرق (هاج وماج) وازداد حنقه على الواعظ.

أرسل الباشا الوالي من أحضروا بشناق أفندي الواعظ من محبسه وقت القائلة (أي في عز الضهر) وأراه مكتوبه الذي يعرض فيه به وبالأمراء فأسقط في يد الواعظ و بهت فلم يجد ما يقوله تبريرا لما كتبه، وراح يعتذر للوالي ويحلف أنه لم يكن يقصد الإهانة وأنه وأنه…..، و لكن الباشا لم يقبل اعتذاره و لم يلتفت إلى شيء مما تلفظ به، فقد امتلأت نفسه حنقا عليه، ولذلك أهانه إهانات بالغة فلطمه على وجهه ونتف له لحيته وسحب خنجره لكي يضربه به، فتشفع فيه كبار أتباعه فأمر الباشا بأن يأخذوه ويسجنوه كما أمر بمحاسبته على ما قد استولى عليه من تركة بلدياته المتوفى، فحوسب حسابا عسيرا وطولب بما ثبت أنه في ذمته من أموال، وظل في السجن حتى رد كل ما دبر وخطط من أجل الاستيلاء عليه دون وجه حق.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.