كن قنفذا فالآخرون قنافذ

كن قنفذا فالآخرون قنافذ

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنان الأميركي إدوارد هوبر

هل رأيت مرة قنفذا أو اضطرتك الظروف للتعامل معه؟

كنت في الرابعة من عمري ولازلت أتذكر تلك الحادثة جيدا: كنا صغارا نمضي إجازتنا الصيفية في الريف حيث مسقط رأس أبي، وكان لجدي دوار كبير يسمونه بيت العائلة، هذا الدوار فيه غرفة كبيرة لكل واحد من الأسرة، تظل على اسمه ولا يدخلها إلا هو حتى لو كان غائبا، وملحق بهذا الدوار كل ما يلزم العائلة من مخازن وزرائب وساحات ومرافق للمياه وحديقة غناء، وغير ذلك مما ييسر الحياة للمتواجدين فيه.

أذكر يوما اصطحبتني جدتي لنحضر بعض الأعلاف للماشية من مخزن العلف، وطلبت مني أن أحمل المصباح ليضيء لها العتمة، فقد تجاوز الوقت المغرب بقليل، وفجأة صاحت بي: أسرعي ونادي عمك، المخزن مليء بالقنافذ.

وقفت برهة صامتة لا أتحرك أفكر في القنافذ، ثم سألتها وما القنافذ ياجدة؟ ردت صارخة: قلت اركضي إلى عمك خبريه الأمر، تحركي.

ركضت هلعة إلى عمي الذي جاء مسرعا، لكني تعجبت من حمله لشوكة كبيرة كانوا يقلبون بها التبن، ولفه بعض الخام على يده قبل أن يركض إلى الجدة، وأنا أركض خلفه والح في السؤال: ما القنافذ يا عم؟ وهو يردد أسرعي وسأريك إياها. 

وما إن وصلنا المخزن حتى رأيت كائنات كالجرذان تجري هاربة ملتزمة الجدار.

احتميت بظهر عمي الذي ألقى بنفسه في الداخل وغاب فترة ثم خرج يحمل لي واحدا منها حبسه في علبة من الزنك كبيرة، ثم وضعه في الضوء لأراه.

لا يفرق في منظره عن الجرذان، غير أن له أشواكا كثيرة تغطي جسمه بدل الفراء.

وظل يشرح لي كيف إنه إذا هاجمه عدو يتكور على نفسه ليصبح كرة شوك لا يمكن لأحد المساس بها، كان ذلك بالنسبة لي تجربة لا تنسى.

ما الذي ذكرني بتلك القصة ؟ وما الداعي لها هنا؟

كنت أتناقش مع إحدى الصديقات نقاش مودة، وجرنا الحديث عن الصداقات وتعاملات الناس في الحياة، وكيف هم مزعجون احيانا، ونفعيون أنانيون، حتى إن الأمر يصل إلى إحداث الآلام النفسية أحيانا، فذكرت لي مثالا، قالت: اجتمع بعض القنافذ في ليلة شديدة البرودة وقرروا أن يحاربوا البرد بأن يلتصقوا تماما ببعضهم البعض حتى يستدفئوا جميعا، فلما اقتربوا تأذى كل واحد من أشواك الآخر، فقال حكيمهم: الأفضل أن نفترق عن بعضنا لمنع الأذى، فتفرقوا حتى صار بينهم مسافات كبيرة فكادوا يهلكون من البرد، فقال حكيمهم الأفضل أن نقترب من بعضنا ولكن لا يلتصق كل منا بالآخر وهكذا نحصل بعض الدفء وندفع بعض البرد فنحيا جميعا بلا ضرر ولا ضرار.

انتهت الأمثولة لكن تبقى حكمتها، فعليكم في هذه الحياة أن تكونوا قنافذا حتى تتقوا أشواك الآخرين، ولا تعانوا من أذاهم وما تحمله نفوسهم من مرض وحقد.

ماذا لو تعاملنا مع كثير من الناس على هذا الأساس متبعين تلك القاعدة، قاعدة القنافذ، نقترب بلا التصاق ونبتعد دون فراق فنبقي التواصل قائما على التفهم والمداراة والوعي بلا ضرر ولا ضرار حتى تستمر علاقاتنا سويا بلا إزعاج أو خلاف، وإذا صادقنا فلننتق من بينهم، فالصداقة انتقاء قائم على التفاهم المتبادل والموضوعية والشفافية المطلقة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.