اللوحة: الفنان العراقي سبهان الغبشة
على مقربة من بيتنا كانت تجلس بجسدها الضخم ترتدي ثوبا أسود فضفاض وبجوارها أقفاص من الخضراوات والفاكهة، كنت أذهب مع أمي وهي تبتاع منها ما تحتاجه لتحضير الغداء وكانت تناديها بـ «أم علي» ولكني لم التق يوما علياً أو أرى أحداً من أبنائها يجلس بجوارها، وكنت ألمح أمي تعطيها كيساً أسود محكم الغلق وكانت تتعمد أن تواريه كأنها لا تريد أن يراها أحدا.
وبعدما مرضت أمي بدأت ترسلني إلى «أم علي» لشراء ما تحتاجه، وكانت تعطيني الكيس الأسود ذاته وتوصيني ألا افتحه وأعود سريعا إلى البيت، وكانت توبخني كثيرا، فقد كنت اتلكأ في العودة وأنسى بعض ما تريده، وبنبرة احتجاج طلبت منها في المرات القادمة أن تدون ما تريده في ورقة حتى لا أقع في فخ النسيان مجددا، ونظرت إليّ شذرا عندما حاولت ان استفسر منها عما بداخل الكيس الأسود.. شعرت بالخجل وأقسمت ألا أسأل أمي مرة أخرى عن هذا الكيس الذي كانت تعتبره منطقة محرمة يحظر الحديث عنها أو معرفة ما به.
اشتد المرض على أمي وكانت «أم علي» أكثر من يزورها وكانت تصر أن تحضر في كل زيارة كيساً به فاكهة وكانت تقبله أمي على مضض تقديرا لظروفها الصعبة لكنها لم ترفضه خشية أن تجرحها.. وفي نهاية الزيارة كانت ترحل الضيفة وتخفي بين طيات ملابسها كيساً أسود، ما أصابني بالحيرة، وظل الفضول يؤرقني وكنت شغوفا لأعرف ما الذي تخفيه أمي في الكيس ولماذا تعطيه فقط لهذه السيدة؟..
لم أجد أمي تضحك وتنفرج أساريرها إلا في الدقائق التي كانت تقضيها مع «أم علي»، في الوقت الذي كانت ترفض فيه استقبال كثير من جاراتها وأقاربها وتعتذر لهن، وكان موقفها يستفزني خصوصا أن من بين الجيران والأقارب من هن أفضل من حيث المكانة الاجتماعية من بائعة الخضار والفاكهة.
استجمعت قواي وتشجعت أمام أمي التي كان يخشاها الجميع لقوة شخصيتها بما فيهم شقيقاتها الثلاث اللاتي كن لا يتخذن قرارات تخص بيوتهن وأبناءههن إلا بعد الرجوع لها، وسألتها عن سر هذا التناغم الإنساني وحالة الرضا أثناء استقبالها هذه السيدة البسيطة فردت بابتسامة: «لم أجد أصدق منها في معاملتها وحبها.. يابني لا تنخدع بالمظاهر.. كثيرون يرتدون أقنعة مستعارة ويطلون وجوههم بمساحيق الرياء والنفاق والكذب.. ويخفون عيوبهم خلف مناصب زائلة وملابس أنيقة وسيارات فارهة ومنازل فخمة شاهقة».
نقلت أمي إلى المستشفى في حالة صحية متدهورة بعد أن تمكن منها المرض، وبصعوبة أشارت لي للاقتراب منها وهمست في أذناي حتى لا يسمع حديثنا والدي أو أحد من أشقائي الصغار أو شقيقاتها، الذين كانت تغص بهم الغرفة.. قالت بصوت واهن: سأكشف لك السر الذي كان يؤرقك، رددت سريعا: أتقصدين الكيس الأسود، قالت: نعم.. لكن بعد أن تعدني بأن تنفذ وصيتي، فعاهدتها على تنفيذ ما تطلبه.
وعلى الرغم مما كانت تعانيه من ألم، قالت أمي بابتسامة الرضا ذاتها التي لم تكن تفارق وجهها: الكيس كان به بقايا طعامنا، وما يفيض عن احتياجاتنا من ملابس، بالنسبة لنا كانت هذه الأشياء عديمة الفائدة، لكنها كانت تسعد «أم علي» التي تكافح لتربية أبنائها الأربعة الأيتام، لا تبخل يا بني عليها أو تهملها يوما أو تشغلك الحياة عن أن تعطيها هذا الكيس».
ماتت أمي وكان اليوم الأول لتنفيذ الوصية صعبا ومؤلما علي، وأيضا على «أم علي» التي رفضت قبول «الكيس الأسود» لكنها تراجعت أمام دموعي التي اختطلت بدموعها، ثم طبعت قبلة على جبيني ورفعت كفيها للسماء تدعو الله لأمي بالرحمة.
مرت خمسة أعوام ثم رحلت «أم علي» وخلف رحيلها بقلبي حزيناً كبيراً فقد تعلقت بالمكان الذي تجلس فيه وعلى الرغم أنه لا يحوي إلا أقفاص متواضعة من الخضر والفاكهة، إلا أن كل ركن فيه كان يذكرني بأمي.. وبعد أسبوع وجدت صبيا يافعا يعيد ترتيب المكان دنوت منه وبادرته بالسلام، فقال إنه «علي» وعندما كشفت له عن شخصيتي قال سريعا مبتسما إنه يعرفني جيدا، ثم طلب مني أن نقرأ الفاتحة على روح أمي وليس أمه.
أثار موقفه اندهاشي وقد لاحظ ذلك فقال لا تتعجب: «في كل مساء كانت تعود أمي من عملها وتفتح كيسا أسودا به ما لذ وطاب من الطعام، بخلاف الملابس والهدايا.. وكانت تقول لنا أدعوا لأم محمود.. لا تندهش فقد زرعت أمي بقلوبنا حب كبير لأمك التي لم نراها».
نشأت صداقة قوية بيني وعلي الذي بدأ يتحمل مسؤولية تربية أشقائه الصغار، وطالبته بأن يساعدني في تنفيذ وصية أمي بقبول «الكيس الأسود» لكنه اعتذر بأدب جم وأكد أن دخل بيع الخضر والفاكهة يكفيهم.. رجوته ألا يتردد في طلب أية مساعدة، خاصة أنني كنت تخرجت في الجامعة وعملت في بنك استثماري براتب كبير وتركت بيت العائلة وانتقلت لشقة أخرى في إحدى المدن الجديدة على أطراف العاصمة.
كنت سعيدا أثناء زياراتي لمنزل عائلتي وانا أرى علي يطور تجارة أمه، فقد استأجر محلا كبيرا وكان يقوم بأعمال التشطيب، عرضت عليه المساهمة بأي مبلغ، رفض لكنه أصر أن أحضر حفل الافتتاح فوعدته بأن أكون أول الحاضرين..
في يوم الافتتاح لمحت عيناي لوحة كبيرة تزين مدخل المحل كتب عليها «تجارة الوفاء.. لأم محمود وأم علي».. احتضنت علي وانخرطنا في البكاء.