ميخائيل نعيمة
اللوحة: الفنان الأكراني إيفان إيفازوفسكي
ما وقفت مرة على منبر إلا تمنيتها أن تكون الوقفة الأخيرة. لأنني في كل ما أقوله للناس، أحاول أن أفرغ وجدي في وجدانهم، وراحي في أرواحهم، فتصدني منهم طبلة الأذن عن شغاف القلب، وحدقة العين عن بؤبؤ البصيرة، فأترك المنبر وكأني ما بحت بوجدي إلاّ لأزيد في وجدي، ولا قدمت راحي إلاّ لأغص براحي.
ولكم تمنيت لو كانت الحكمة كلمة عن لساني لأذيعها للناس، أو للمعرفة سراجاً في يدي لأقدمها للناس، لكن الحكمة خرساء، والمعرفة عمياء، وكلتاهما في عالم أقصى من السمع والبصر، عالم قد يكون من الكلام دليل عليه، لكنه أوسع من أن يستوعبه أي كلام.
في ذلك العالم يتعانق الإله والإنسان، ويندمج الجماد والحيوان، ويمتزج الزيت بالماء، وتلتصق الأرض بالسماء، هنالك لو فتشتم عن غدكم لوجدتموه في أمسكم، وعن مهدكم لاكتشفتموه في رمسكم، وعن والدكم للقيتموه في ولدكم، ونفسكم لألفيتموها في كل نفس.
هنالك لا قبل ولا بعد، لا فوق ولا تحت، لا شناعة ولا جمال، لا حرام ولا حلال، لا وزن ولا قياس، بل آزال تنتهي بآباد، وآباد تنتهي بآزال، وروح منبث في كل منظور وغير منظور، و”هنالك” ليست غير “ههنا” بيد أن الناس لا يبصرون، ولأنهم لا يبصرون؛ ترونهم قد جعلوا لحياتهم قياساً، وأصغر ما فيها أكبر من أن يقاس، ورتبوا لها أثمانا، وأبخس ما فيها أثمن من أن يثمن، وأقاموا الحدود والفواصل بين أعضائها، وأعضاؤها جسد واحد لا يتجزأ.
لذلك كانت أيامهم حبلى بالشدائد، ولياليهم مثقلة بالهموم، ولو أنهم أبصروا الحياة ببصائرهم لا بأبصارهم؛ لما كان لهم من همّ سوى هم الانعتاق من كل همّ، ولو أنهم طلبوا الانعتاق لوجدوا أن لا سبيل إليه إلا بطرح مقاييسهم العوجاء وموازينهم الجوفاء، ونكران مشيئتهم العمياء من أجل المشيئة الكلية المبصرة، وإفناء ذاتهم المحدودة في ذاتهم التي لا تحدّ.
ألستم تسمون مَن شارككم في دم أبيكم وأمكم ولحمهما، ورضع الثُّديّ التي رضعتم، أخاً لكم أو أختاً؟ فكيف بمن شارككم في لحم الحياة ودمها، ومن يرضع البقاء في كل لحظة من الثديّ التي ترضعون؟
ألستم تقدسون الأخوة وتؤمنون بأن صُلب الأخوة المحبة؟ فما بالكم تؤاخون القليل وتنبذون الكثير؟ وتحبون الواحد وتكرهون الألف؟
إن أخوة كهذه الأخوة مقصومة الصُّلب لا تنزّ إلا القيح والوجع. إن محبة كهذه في عينها رمد وفي أمعائها هواء أصفر. وما زلتم معرضين عن الأخوّة الصحيحة والمحبة الصحيحة، ظلت حياتكم أرجوحة للحزن والألم وميداناً للصراع والنزاع. أما الأخوة الصحيحة، فهي في تلاشي المحبّ في المحبوب.
من كتاب البيادر لميخائيل نعيمة