ملك حاج عبيد
اللوحة للفنان نذير نبعة
(1)
أقود السيارة على شاطئ الخليج حيرى، لا أنا بالمتمهلة ولا أنا بالمتعجلة، ذاهبة إليه لا أعرف إن كنت حقاً أريد رؤيته، عندما تستوي لديك عوامل الجذب وعوامل المنع، تقف في نقطة التوازن، التوازن هو العدم ولقد آمنت بالتطرف في كل شيء، أكره الوسط، أكره الاعتدال، الانطلاق حتى المدى، التدخين حتى آخر سيجارة في العلبة.
أشعل سيجارة وأخرى وأخرى، تنطفئ الشمس في البحر، تنتشر الحمرة في الأفق الظلمة تزحف في السماء، تلتمع الأضواء، السيارات تزدحم أمام مقاهي الشاطئ ساحات الألعاب تعج بالأطفال.
سيارة على يميني وشاب صغير يريد أن يغازل.
– يا بني أنا في سن أمك، لو بقي جنيني الأول لكان اقترب من عمرك.
اقترب من مطعم السيزلر، أستعيد صوته
– أنا وأنت نباتان صحراويان لذلك ننجذب إلى الماء.
بيتنا كان على الخليج.. كان ذلك منذ سنين.. ولقاؤنا هل سيكون على الخليج؟
أصل إلى ساحة السيزلر أهم بالدخول، لكنني أجاوز الساحة، أدور حول المكان، لقد اعتدت الدوران في الأمسيات، في الأسواق على الشاطئ، أبحث عن شيء، عن وجه، عن معنى، وبعده كل شيء قد افتقد المعنى…
أعود مرة ثانية أنظر إلى المطعم المضاء، إنها السادسة وعشرة دقائق، لينتظر قليلاً فلقد انتظرت كثيراً.
عشر سنوات وأنا أنتظر، ثم خطر له أن يتحدث.
عشر سنوات مرت وعندما سمعت صوته، أحسست بقلبي يغوص إلى قدمي قال:
– منذ أسبوع وصلت إلى الكويت، بحثت طويلاً حتى وجدت رقم هاتفك.
رددت في نفسي: هكذا يكون الوفاء.
يتدفق في حديث، كنت أعرف بعضه من أصدقائنا، وكم تقت في الماضي لمعرفته كله، ولكنني الآن أستمع دون أن أعي.
أغلق السماعة وأنخرط في بكاء عميق، إنه يعود ثانية إلى حياتي وأنا التي هربت منه، غادرت البلد التي تجمعني به. انتظرته وعندما يئست من عودته غادرت دمشق لأعزي نفسي بأنه لا يعرف مكاني.
الآن لا أريد رؤيته ولا سماع صوته، ولكن ها هو صوته يعيدني إليه وأنا أعرف أنني ضعيفة أمامه، وأعرف أن أمامي أيام معاناة طويلة لأتخلص من صوته وصورته.
لقد خرج من حياتي وأنا غارقة في حبه وأنا الآن أريد أن أخرجه من حياتي مع أنني لا أزال أحبه.
حاولت بعده أن أحب، خيل لي أنني أحببت، ولكنني كنت أعرف أنني واهمة وأن حبه في أعماقي أراوغه وأتناساه وأزعم أنني نسيته وأرحب بمشروعات زواج، ولكنه الآن يعود يمسح كل ما عداه وأعرف أنني هربت منه إلى قصص لم تجلب لي عزاء ولكنها أعادت لي طعم الخيبة.
الخيبة؟ وانطلقت من حلقي ضحكة ساخرة، من كان يظن أن الخيبة هي مآلي؟ أنا الطموح المتألقة أزاح إلى الزاوية، أصبح ماضياً له وتجربة في حياة آخرين إن كانوا منصفين قالوا تجربة وإن كانوا سفلة قالوا أشياء أخرى.
ثلاث تجارب مخفقة وهو الفائز دوماً، تزوج وأصبح لديه ثلاثة أولاد بعدد تجاربي.
كيف أصبحت الآن؟ أمازال الوسيم الجميل؟ سألته:
– ألم تسمن وتصلع؟
قال:
– ما زلت كما تعرفين.
واثق، مغرور؟ وأنا؟ أنا تغيرت، امرأة تقف على أبواب الأربعين، وتعجبت كيف وصلت ولكن المرآة تجيب.
أين البريق الذي سحره ذات يوم؟ أين التوقد؟ أين الجسد الممشوق؟
لم أطلت الوقوف أمام المرآة؟ لأرى كيف سأبدو في عينيه أم لأرى كيف أبدو في عين نفسي؟ حزينة أبحث عن تألق، عن دور، عن فرح فلا أجد.
جربت كل شيء وفقدت الرغبة في كل شيء.
إنه الآن في المقهى، انتقى مكاناً ينتظرني فيه، لف نفسه بغلالة دخان جذابة، رجل وحيد مسربل بالدخان، يعرف كيف يلقي شبكة صيده.
دائماً يضع نفسه في مركز الضوء، في بؤرة النظر، لا يضيع وقتاً في البحث عن الفرص الثمينة، لعله في طلاقنا كان يجري وراء الفرصة الأفضل.
تخزني الفكرة.. أسرع وأسرع ولعلها المرة الخامسة التي ألف بها حول المكان.
الليل قد خيم على المدينة والأضواء تألقت وهو يجلس في مكانه يتألق، ينتظرني أنا التي انطفأت وترمدت، لماذا قبلت لقاءه؟ لماذا رضيت بالمجيء ألأنني ما أزال؟
أدوس على البنزين تطير بي السيارة، أتمنى أن تطير بي إلى مكان بعيد، شهران وهو يحادثني، يحاول أن يرى انبعاث الماضي في نبراتي وأنا أجاهد لأخفي أي انفعال.
ثم فجر القنبلة:
– لماذا لا نعود؟
سألته متغابية:
– إلى أين؟
قال:
– نتزوج ثانية.
ضغطت على أعصابي وسألته:
– هل تنوي أن تطلق زوجتك؟
قال بهدوء:
-لا، لماذا؟
سألته:
– تريدني زوجة ثانية.
قال:
– هل هناك مانع؟
قلت ساخرة:
– لديك لا. أما أنا فلدي موانع كثيرة، إما أن أكون المرأة الوحيدة في حياة رجلي أو لا أكون.
أراد أن يناقشني وكنت أشعر بالقرف والإهانة من الخوض في هذا الحديث.
من يظنني؟ يطلق عندما يريد ويعود عندما يريد. من قال إني أريده؟ تمهلت عند هذه العبارة. لم لا أقول سنوات وأنا أنتظر عودته.
ولكن لا ليست هذه العودة التي حلمت بها، ظننته سيعود ليقول: عرفت نساء الدنيا ولكني لم أحبب غيرك فهل غفرت لي رعونتي أنا الطفل المدلل، ربته أم ترملت صبية فأحبته وكان دنياها، وكرهتكِ قبل أن تراك لأنها لا تريد أن تشاركها به امرأة… شرقت وغربت وتزوجت وأنجبت واكتشفت أنني لا أستطيع أن أعيش بدونك، كنت سأرتمي على صدره وأقول وأنا لم أحبب سواك.
ضحكت ساخرة من نفسي، ما زلت تلك المراهقة الخيالية في عالم يموج بالحسابات والتطلعات.
وهو، هو الرجل الذي أحببته وعرفت نواقصه وتغاضيت عنها، قلت الزمن كفيل بالإصلاح ولكن الزمن لم يصلح، زمننا كان سافلاً وكان هو الابن البار لهذا الزمان.
دائماً يجري وراء الجديد، وراء الضوء، فراشة أدمنت النور ولكن تعرف كيف تتقي الاحتراق، أصبحت جديداً بالنسبة إليه لذلك يريد أن يعود، يتحدث عن عودتنا وكأنها أمر محتم، وكأننا قد تخاصمنا إحدى خصوماتنا القديمة وها نحن نتراضى.
أتمنى أن أراه، أصحيح لم يتغير؟ لو أستطيع أن أراه، أن ألقي عليه نظرة ثم أنصرف دون أن يراني، أدخل إلى المطعم أجلس في مكان بعيد أتأمله، أراقب تلهفه، أتعقب نظراته على أي الوجوه تستقر، هل سيدفعني الحنين إلى الاقتراب منه، أم سأحس بأنني أكرهه وأنه لا يستحق هذا الحب الذي حملته له؟
فات على الموعد نصف ساعة ولكنني متأكدة أنه ينتظرني، إنه يحتاج إلي، يحس بالضياع في هذا البلد الغريب، قال لي يوم طلاقنا:
– أتمنى أن تعلمي أنني أحببتك وسأحبك دائماً، ولكن هناك ظروف أقوى من الإنسان وسنبقى أصدقاء.
ولكن نسي حتى الصداقة، لم يكلف نفسه أن يسأل عني، عاد إلى حضن أمه، رجع إلى بلده الصغيرة، إلى حياة جديدة رتبها الأهل حسب معاييرهم، وأنا التي تحديت وحاربت لأجله وانتصرت لحبي، كنت مندفعة، معبأة بأفكار أخلصت لها وجعلتها هدف حياتي.
من يحطم القديم من يبني المجتمع الجديد؟ من سوانا نحن الطليعة المثقفة؟ نحن الذين سنحرق عفن الماضي. إنه الماضي الذي يعشش داخله غطاه بالرمل ولكن الرياح ما لبثت أن سفته.
لماذا نسيني هذه السنين الطويلة؟ لماذا تذكرني الآن؟ لأنه بحاجة إلى من يتحدث إليه، يفهمه، يفتح له قلبه، يذكره بالبلد التي جاء منها والماضي الذي تنكر له. لأنه يحتاجني، ولكن عندما كنا في البلد كان بحاجة إلى أمه وزوجته وأولاده. أنا الصديقة.. وربما أرادني العشيقة، وها هو يلوح بالزوجة.. إنه الرابح دائماً، وأنا الخاسرة أبداً.
كم حلمت بالعودة إليه، والآن تتساوى عندي الأشياء، مضى على الموعد ساعة، أيتألم أم تساوت لديه الأشياء، عشر سنوات مرت على فراقنا، رغم ألم الجرح كابرت، بدوت مزهوة قوية وأنا أغادر البيت، كنت أريد أن يحس أنه قد خسر امرأة لا تعوض.
الآن كسرتني الأيام، غيرتني، هل سيعرفني؟ هل سينكرني؟ هل سيندم لأنه طلب إلي العودة؟ يجاملني ثم ينسحب، ماذا سيفعل؟.
أدور وأدور لا أعرف إن كنت سأصعد أم لا، إنها سيجارتي العشرون، مضى على الموعد ساعتان، ربما غادر المكان، أحس بالإهانة.
ابتسمت ساخرة، هل أذقته الإهانة؟ أي إهانة تعادل طلاقه لي وأنا أحبه، وأي إهانة تعادل كوني لا أزال أحب، تمتلئ عيناي بالدموع.. أتمهل في سيري.. أتباطأ، أطفئ المحرك، أكاد أغادر السيارة، لكنني أدير المحرك ثانية وأعاود الدوران.
(2)
يتعالى الرنين، أعرف أنه على الطرف الآخر، شعور بالقرف ينتابني، هذا الغبي مازال لديه الكثير من السيئات لأكتشفها.
ولكن هل سأعطي لنفسي فرصة الاكتشاف؟
يلح الرنين.. لن أقبل تعليلاته، قضيت عمري أسوغ له وأتقبل، فهل بقي من العمر متسع للتسويغ؟ هل هو متضايق؟ ليته يكون متضايقاً، إذن لشعرت بالارتياح ولكن لم يتألم، ترك الألم لي أغوص في أعماقه وأتذوق الخيبات، كان الخيبة الأكثر مرارة والأطول عمراً، لا، هو اللعنة التي طاردتني. ليتني لم أسامح، ليتني تماسكت، لو تماسكت لما وقفت هذا الموقف المذل، ولكن لا، من البداية كنت خارج حساباته، فما أنا إلا سلم الوصول.
في ضيقه كنت سيدة القلب.
الآن أحس الكلمات فارغة.. حمقاء.
ويقسم أنه ما أحب امرأة سواي ويملأ عينيه بالدموع فأرنو إليه وأقول:
– أي ممثل يستطيع أن يتقن دوره أكثر مما فعل؟
وأنا هل أعفي نفسي… أنا الغارقة في الخطايا.. فلأغضب من ضعفي ومن انقيادي إليه.
أهو قدري، أهو لعنتي الملازمة؟
يتعالى الرنين، يستوي عندي أن أسمعه أو أرفض السماع، أي معنى للعتاب والمصالحة، أي معنى لأي كلام.
– اسمعيني، قدّري موقفي إنهم يحتاجونني.
سألته ساخرة:
– وأنت تحتاجهم؟
صمت، وكدت أقول له:
– عندما أكون بجانبك، كيف تحتاجي إلى أي إنسان؟.
وأرد الجملة أبتلعها، هو الذي يجب أن يقولها، تفقد معناها عندما أنطقها، وأنظر إليه أتأمل الوجه الذي جاء بالأمس يطلب الغفران.
كنت أقول قلبي محمي بطلسم غدره، ولن تفلح تعاويذه بفك الرصد، ولكنه فارسي القديم وقد عاد، رغمي انشق باب القلب.
قلت:
– رغم سفالتها صفت لنا الأيام، لعله عاد إلي ليمسح الجرح ويكفر عن الآثام.
قال لي:
– سيدتي لك كل الفصول، ولهم الصيف يكتوون بحره، فلا يطيقون البقاء.
سافرت فجاؤوا، طال بقاؤهم.
قال ضاحكاً:
– أحبو صيف الكويت.
تساءلت:
– كيف لا يحبون الشتاء؟
في عينيه أقرأ الهم، ما عرفت أنه همّ تأمين إقامتهم ومدارسهم.
نظرت إليه دون عتاب قال:
-لا تنسي أنني أب.
وقلت في نفسي:
– لولاك لكان أبنائي يملؤون علي الحياة.
وقال لي:
– أنت في القلب ولكن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن الواجبات.
قلت له:
– اتفقنا أن يبقوا هناك.
قال:
– أمام عيون الصغار تلغى الاتفاقات.
وأنا الغبية ألغيت كل الاتفاقات، تنكرت لكل شيء وركضت إليك وقلت لي:
– سنعلمهم كيف الحب يحطم الأسوار.
لكنك حطمتني وانسحبت.. عشر سنوات وأنا أهرب منك، ما شفاني هروب ولا سفر.
عندما جئت إلى الكويت أردت أن أنتقم.
قلت لك:
– لو بقينا في البلد دهراً لن ألقاك.
فقلت لي:
– لا تقنعي نفسك بالأوهام.
كنت عنيدة وكنت بحاجة إليك، لم يكن حباً فما كان قد راح ولكن الإحساس بأنك مشدود لإنسان. بيتك الآن مملوء بها وبأولادك.. أمحي مكاني، ما عدت تذكره فأنت المتجدد دوماً وأنا الواقعة في أسر الماضي.
أذكر كل ركن من بيتنا – عفواً بيتك – أذكر لقاءنا الأول بعد عشر سنوات.
– ما أحببت غيركِ، كلهن عبرن حياتي.
كنت ظامئة فمسحت دموع القهر وقلت:
– إن كان الظمأ هو الذي يدفعني إليك فما الذي يدفعك إلي إلا الحب، أنت الذي خلفت في البلد زوجتك وأولادك وجئت تسعى إلي..
وأشرق في قلبي فرح مر، راحت الأيام تستل منه المرارة.
– نتزوج ثانية.
وقلت لك:
– لا، بيننا لن يكون زواج، عندما أكرهك أتركك.
وكنت مملوءة اعتزازاً، هي امرأتك شرعاً وأنا امرأتك حباً، وأمام الحب تنحني كل الشرائع.
ولكنك لم تمنحني هذا الوسام، جئت بهم لتجردني من سلاحي.. فماذا أبقيت لي.
وقلت لك:
– اخرج من حياتي.
قلت:
– لا أستطيع.
قلت:
– شباكك باتت مفضوحة فوفر على نفسك تعبها.
الرنين يتعالى وأضحك سخرية:
– لعلها غائبة عن المنزل، لعلها في المطبخ وأنت تنتهز فرصة انشغالها، ما كنت إلا الوقت الضائع في حياتك.
كنت التسلية في فترة انتظار قدومهم.. وكاذب إن أردت أن تقنعني بعكس ذلك.
الرنين يتعالى.. لا رغبة لي في السماع..
وأتساءل عندما يتعالى غداً وبعد غد وبعده، هل سأتركه للصدى أم سأعاود الدوران.