أمل بشير
اللوحة: الفنان الفرنسي هنري ماتيس
فتحت عينيها بتثاقل، ولبرهة لم تعلم إن كانت مازالت نائمة أم أنها استيقظت، في تلك المرحلة بعد الاستيقاظ التي تسبق الصحو الكامل.
فركت عينيها لتطرد عنها آثار النوم. تمطت، وتثاءبت، واستجمعت نفسها ولملمت شتاتها، ثم وبلا إدراك، سالت دمعة تشق طريقها لتعانق دمعة أخرى فرت من عينها الأخرى، لتتعانقا وتكملا الطريق لتذوبا تماما في وسادتها. تلك الوسادة، التي طالما كانت مقبرة لدموعها. شهدت تنهداتها، أحست بشهقاتها، اشتمت عطر رغباتها، وسمعت هدير روحها.
ثم تلت تلك الدمعة ثانية، وثالثة، ورابعة، حتى شعرت انها مسجونة خلف قضبان دموعها. رفعت نظرها لترى في أي وقت هي، مع انها لم تعد تهتم، فالحياة أصبحت صفحات لكتاب تتشابه صفحاته. أو ربما لم تعد تملك تلك الطاقة الكافية لتقلب الصفحات.
كان الصباح قد نجح في أن يغلب الظلمة، فتسللت أشعة شمسه لتطرد ظلمة الليل، وتحل محلها، ولكنها كانت رغم اشراقها غير قادرة على تبديد الظلمة التي اكتست هي بها. لم تستطع تلك الشمس أن تنبت بذرة للحياة بداخلها. أو حتى تقنع جسدها بأنه الصباح، فيفرز تلك المواد التي تعيد له حيويته وتبعث فيه بعض من نشاط. مدت يدها بعد مشقة لتنظر في هاتفها، لعله قد بعث لها أي كلمة يمكنها أن تصنع السحر الذي فشلت أشعة الشمس ونسمات الصباح في بثه. ولكن بدأت دموعها بالانهمار بغزارة وزادت تلك الغصة التي كانت تمنعها من أن تبلع ريقها.
فككل يوم وككل مرة لم تجد منه أي كلمة أو إشارة. تساءلت ترى هل يمكن أن تتعلق حياتها بكلمة منه؟ هل يمكن أن يصبح هو المفتاح لمخازن السعادة؟ والمتحكم بوظائف جسدها! وخزانات الدموع في عينيها! بقيت جامدة تنظر للسقف بلا إدراك. حتى أيقظها صوت جرس الباب من غيبوبتها. لتنهض اخيرا من فراشها وبتكاسل شديد غادرته، لملمت خصلات شعرها التي تناثرت بسبب النوم، نظرت في المرآة محاولة تعديل شكلها قبل أن تستجيب لمن يطرق بابها، ارتدت ذلك الرداء الحريري المشجر بزهور تفوح منها رائحة الربيع. فقد اعتادت على ارتداء الألوان التي تدخل بعضا من البهجة إلى قلوب من يراها، فينعكس بعضا من البهجة في النظرات التي تسعدها قليلا.
تكررت دقات الجرس، فاسرعت لتفتح الباب وتتخلص من ذلك الصوت المزعج المتكرر. فتحت فإذا به فتى في بداية العشرينات يرتدي زيا لأحد محلات الورود ويحمل باقة كبيرة من الورد تغطي معظم وجهه وجسمه، حياها بأدب، صباحك سعيد سيدتي. فردت بهزة من راسها فلم تشعر برغبة في الحديث. فسأل الفتى: سيدتي هل انت طيف محمد عبد السلام؟ فاجابت بنفس الايماءة، كأنه شعر بارتياح كبير، وكأنها بتلك الهزة من رأسها حملت عنه عناءا فتنفس الصعداء، ثم ناولها باقة رائعة الجمال من ورود النرجس الأبيض التي كان يحملها، ترددت قبل أن تأخذ منه الباقة، فقد كانت المرة الأولى التي يهدي إليها باقة من ورد، وسألته بلهفة كبيرة من المرسل، فرد عليها وكان صبره ينفذ لكنه حاول أن يحافظ على أدبه، سيدتي ليس مسجلا عندي هل يمكنك استلامها رجاءا؟
مدت يديها وحملت الباقة، مد إليها ورقة وطلب توقعيها ففعلت وغادر، بعد أن تمنى لها نهارا سعيدا، دخلت وأغلقت الباب، ولكنها بقيت واقفة في مكانها تفكر، هل يعقل أن يكون هو من بعث بهذه الباقة؟ وبدأت تتذكر، ترى هل أخبرته من قبل كم تعشق الورود البيضاء، ولذلك اختار لها ورود النرجس ناصعة البياض فابتسمت وشعرت بنفحة عشق باردة، رجفت منها اوصالها واقشعرت، واحتضنت تلك الورود بقوة، فهي باقة النور التي بعثها لها لتشرق روحها سعادة، ثم قفزت تلك الفكرة المزعجة فجأة لتصفعها وتعيد ملامح التجهم إلى وجهها إن كان تكاسل أو انشغل عن أن يرسل لها ولو بكلمة، رغم أنه يعلم جيدا كم تنتظر كلماته بفارغ الصبر، فهل يعقل أن يرسل لها باقة ورد؟
لا بد انه ليس الفاعل، ربما هو أمجد، ابنها، فهو يعلم كم تحب الورود، وكان دوما ما يعطيها وعدا بأن يرسل لها الورود وشغلته الحياة. ربما أمجد تذكر وعده فبعث بتلك الباقة الرائعة، فارتسمت بسمة أكبر على شفتها، واحتضنت الورود واختلطت الفرحة بعينيها بدموع الشوق والحنين لاحتضان صغيرها الذي كبر وغادر العش. لتراه مرة في الشهر لأنه يعمل في منطقة بعيدة ويحصل على إجازة كل الشهر. ثم تلاشت الابتسامة حين خطر ببالها أنه لا يمكن أن يكون أمجد فهو في منطقة معزولة. هزت رأسها ليس أمجد من أرسل الباقة، وعادت البسمة من جديد لا بد انها ميسون صديقة طفولتها التي فرقتها عنها الدنيا وظروفها. ثم التقتا منذ أيام من جديد، لتعود معها أجمل أيام شبابها وصباها، ذكريات الدراسة، ذكريات الشقاوة، لمعت كل الأحلام وأجمل الأطياف بخاطرها، وأحست بنافذة من الماضي ترسل بضيائها لتشرق روحها، وفجأة انطفأت تلك الشعلة ليعود الظلام من جديد، فميسون مشغولة بالاستقرار في منزلها الجديد ووظيفتها الجديدة، ولم تعد تظن أن وقتها يسمح بهكذا هدية. وعادت البسمة من جديد لتكبر وتزداد جمالا حين فكرت ربما هو عارف، صديقها المحبوب، والذي تواصلت معه مؤخرا بعد أن شعرت بفراغ يسكن روحها، فلم يكن رفيق الدراسة والزميل فقط، بل كان أيضا الأخ الذي لم تلده امها والصديق الصدوق الذي طالما افتقدت. فقد حدثته كم تعشق الورود البيضاء وكم تتمنى باقة ورود تهدى لها. فكان بضحكته التي يشوبها استهزاء يخبرها أن زوجته أيضا تعشق الورود وأنه يرسلها لها ليسعدها، رغم شعوره بأنه إهدار للمال، وقد وعدها بأن يرسل لها بباقة من أجمل الباقات فربما فعل، ثم استبعدته فعارف أيضا مشغول جدا هذه الأيام فضغط عمله في ازدياد، وقد اعتذر منها لأنه لن يستطيع التواصل معها لقلة فراغه وانشغاله، فلا يعقل أن يتذكر ويجد وقتا لهذه الباقة، وفجأة شعرت بنسمة منعشة زادت ازهار باقتها بهاءا. لا بد انها سعاد، تلك المريضة التي أشرفت على علاجها، وفعلت ما كانت دوما تفعله مع مرضاها، فشملتها بالرعاية النفسية والدعم الروحي، بجانب العلاج، فهي اعتادت أن تتعامل مع مرضاها كأصدقاء. تتقرب منهم لإيمانها أن الحالة النفسية الجيدة، هي معظم الدواء، فلا يمكن مع الإحباط علاج اي مرض مهما استخدمنا من عقاقير. فكانت تحرص دوما على رفع معنوياتهم. ولكن سعاد تعاني من قلة الموارد المادية وباقة كهذه يعد سعرها ثروة لشخص بمستواها المادي.
ثم نظرت لتلك الباقة بإمعان. وكأنها تسألها من أين جئت؟ من أرسلك؟ ولوهلة، كأنها سمعت الباقة تخبرها، وهل هو مهم من فعل، ألا تستطيعين التمتع بجمالي واستنشاق عطري، فقد أذبل قبل أن تعلمي من قرر أن يدخل السعادة على قلبك الذابل، هي باقة من نور بعثها لك القدر حين فشلت الشمس عن إنارته، هي نسمة الصباح التي أرادت أن تملأ قلبك فتزيل ما به من ألم، لم لا تفتحي نوافذ روحك للبهجة، دون أن تهدري طاقتك في التفكير، استجمعي هذه الطاقة التي منذ برهة فقط لم تكوني تشعرين بوجودها. انت تستحقين الابتسام، فابتسمي، واطردي شبح التساؤلات.
شعرت فجأة بطاقة إيجابية لا حدود لها. وضعت باقة الورد في مزهرية زجاجية شفافة كانت تزين طاولة الطعام. وأضافت بعض الماء بعد أن أزالت أوراق السلوفان الملونة التي كانت تحيط بالأزهار، واستنشقت تلك الأزهار ولامست أوراقها بحنان وإعجاب شديد، وتمتمت بكلمات كأنها تشكرها، وقبلت تلك الأوراق بامتنان شديد، ثم التفتت وأسرعت لتغتسل بادئة هذا اليوم الجميل، وقررت انها لن تخطط لما ستفعله، بل ستتركه يمضي كما أراد له القدر، وكانت كلها ثقة انه سيكون يوما مبهجا، وسيسعدها.