اللوحة: الفنان الإيطالي ماريو سيروني
نحن قوم منقطعون لكن ليس للعبادة كالزاهدين وإن كنّا أكثر منهم زهدًا وتقوى وإخلاصًا، لكنه انقطاع من نوع جديد، أو ربما قديم قائم لكن عف اللسان عن الخوض فيه أو تناوله، فلم يُثنينا اصلاح اقتصادي بغلظته المادية، كما لم نتفائل حيال أي نتائج أيجابية تحققت على أرض الواقع فكل الامور تستوي لدينا.
فقد هجرنا العاطفة منذ عقود وملنا للعقل والتروي، كما لم تلن عزيمتنا يومًا حيال مباراة كرة قدم محلّية، لم ترهبنا جولات الكر والفر بين الأمن وبين المتظاهرين طيلة سنوات من قبل وبعد هبّة يناير ولم نهتم بتصاعد المطالب ورحيل للنظام، كما لم نندهش ونرحب بحبور كما فعلت الملايين حينا سقط النظام وتنحّى رأسه.
لقد التزمنا مقاعدنا بالمقهى فلا نغادرها لكبيرة أو صغيرة مما يحدث حولنا، فبُعيد المغرب ينعقد المجلس ولا يكتمل بهاءه إلاّ بعد صلاة العشاء حينها يتوافد الزبائن من كل صوب ينحدرون يعرفون طريقهم كسرب نمل أدرك بغريزته قطعة خبز فاسرع إليها تحدوه متعة المضغ.
يعرف كلّ منّا مكانه ومكانته، بيننا شباب صغار يتعثّرون بخطاهم، كهول لا يزالون يحتفظون ببقايا تباشير الحياة، وشيوخ أجلّاء يمضغون بيننا تاريخهم المجيد، يلوكون كل ليلة حوادث وأحداث مرت بهم، ما بين إضافة وحذف ونسيان، تنطلق من افواههم الحكايات.
ذلك عالمنا، تلك هي الحافة التي يستقر عليها منذ سنين فصيل من الناس، ينظرون للحياة الدنيا بترفّع الملائكة، بدواخلهم أتون يغلي، بركان يوشك أن ينفجر. لكل منّا حكاية غريبة ولكل منهم مأساة فريدة.
لذلك عندما أقبل علينا “جابر” بقامته العالية، برأسه التي اشتعلت شيبًا، بكتفيه المنحنيين للأمام وبطنه الضامرة، رحبنا به، أسرعت لجذب كرسي فارغ يجاورني، كي يستريح عليه من عناء مشوار طويل بان أثره من إجهاد وعرق غمراه.
تلك كانت بداية معرفتنا به، وعلاقتنا التي توطّدت بمرور السنين، حينها سألته: قهوة؟
فأجابني بسرعة من كان ينتظر السؤال: أي نعم.!
ولم أعرف حتى الآن ما سر إجابته تلك ولمَ بهذه الكلمة “أي نعم” تحديدًا، هل كان يسخر منيّ؟ أم يتحذلق لغويًّا على الحضور؟! لكنّي نفيت هذه الخواطر بعيدًا عن رأسي وقتها، وآثرت ألاّ أفسد الليلة، فنحن كأصدقاء قلّما نلتقي وإن فعلنا فعراك يحتدم قبل أن نستوي على مقاعدنا، ننطلق على إثره هاربين.
وقبل أن أأمر بطلب قهوة الضيف الجديد، عاجلني هو بعبارة مقتضبة ألقت الرعب في فؤادي، حين قال: قهوة سكر زيادة لو سمحت، لم يك يحدّثني أنا بل يوجه كلماته القليلة إلى “نبيل” نادل المقهي، فوقعت مفرداته اللغوية في قلوبنا كوقع رؤية “عزرائيل”..
حينها نظر “الجرسون” في وجوهنا يتفحصها، يرجونا بأدب أن نرد على الضيف وأن نصوّب مقولته وطلبه، أو أن نرفع عن كاهله هذا الطلب الثقيل، فلم يكن من عادتنا أو عُرف المقهي أن يقدم القهوة لزبائنه وبخاصة المستديمين إلاّ سادة سوداء كقلب الكافر أو شحيحة السكر، بضع ذرات تُخزي العين، تنبئ أن الحلاوة قائمة لا ريب فيها وإن بدت بعيدة عن المنال، لا تدفع مرارة وإن أكدت على وجودها بالدنيا الفانية، هكذا أحببنا القهوة وشربناها سنوات كثيرة تاه عددها لدينا، واستقر المقام بيننا وبين القهوة والمقهى، فنجان ينزل برفق مصحوباً بكوب ماء بارد يتصبب عرقًا من حوافه صيفًا أو فاتراً شتاءً..
على أن تلك الليلة لم تمر على خير، إذ سرى هرج ومرج في أرجاء المقهي، بدت نُذر خناقة بين قدامى الزبائن وبين الضيف، فرأيت تحرشًّا يبدأ على استحياء، سرعان ما اشتعل بعبارة آمرة من “ابو عُلا” كما نناديه ويحب هو أن ننعته، وإن كنّا نعلم أنه راهب منذ بواكير صباه، فقد عزف عن الزواج لعلّة هناك أو هناك..
فقد صاح بصوت عال: سفيه من يشرب القهوة يسيل من حوافها السكر، لا مكان بيننا لخائن للعلقم، ثم نادى في الجميع بصوت أكثر غلظة: هبوا يا رفاق، فهب القوم جميعهم وأنا بينهم فلم أكن لأتأخر يومًا عن تلبية نداء، وقف الخلق فوقعت طاولات وتناثرت أكواب زجاجية فتحطّمت وطاشت فناجين، فتطايرت آذانها الملتصقة بها من أحقاب طويلة، تلك كانت ثورة بحق، جائحة لم نر مثلها، فاقت في بأسها وباءً سرت بيننا شائعة عن انتشاره بين أهل المدينة، وإن لم نره أو نشعر بوجوده. فصدورنا المتخمة بأدخنة الشيشة لسنوات، التي غاب عنها الأمل لا تنهزم أبدًا أمام ” فيروس” ضعيف لا يستأسد إلاّ على المترفين والمرفّهين.
***
انقشع غبار الواقعة عن عالم جديد، عن رضوخ الوافد واقتناعه رغماً عنه بأن القهوة السوداء شديدة المرارة هي طلبه الوحيد، له أن يشربها أو أن يترك فنجانه كما هو ساخن بوجهه السميك الكريم، وأن يلتزم الصمت ويصغي أكثر ولا يتكلم إلا قليلًا.