د. فتحي سلامة
اللوحة: الفنان المغربي عبد الله الحريري
ربما نختلف حول تفسير المعنى الشامل لفن القصص العربى، وربما يتراوح هذا التفسير من مجرد الحكاية التى يمكن روايتها او نقلها عن مكان حدوثها الى تفسير يضيق صدره حتى يقصر القصة على لحظة التوهج للفعل او رد الفعل الدرامى، وخلال وبين هذه التفاسير جميعا يدور النقد الادبى للفن القصصى، وخلال التعامل مع هذا اللون الادبى مدة تزيد الان على الثلاثين عاما، يمكن القول بان (القصة) لا يمكن تقييدها بمذهب ولا بمنهج ولا بتفسير محدد انما هى مثل الزهور، زهور من كل لون وكل رائحة، زهور بهيجة المنظر خبيئة العطر، قاتلة وزهور لا لون لها ولكن رائحتها نفاذة، تصل الى العقل والفؤاد والغريب ان اجمل الزهور قاطبة زهرة الخشخاش الذى يستخرجون منه كل انواع المخدرات القاتلة، انها لم تقصد القتل او الايذاء، انها فقط تسعى لجذب الحشرات والنحل اليها كل تحمل لها حبوب اللقاح للاستمرار فى التواجد ان تلك الزينة لم تقصد لذاتها انما هى مفيدة ولها وظيفة، واذا اخذناها نحن ووصفناها فى انية للزينة فان هذا يعد تدخلا منا للاخلال بوظيفة (الجمال) النباتى، اننا نستغل ما هو موجود لاداء وظيفة طبيعية استغلالا يعد قتلا للنبات بحجة التباهى بحب الجمال، وايضا التباهى بحب الزهور، نحن نقتل الزهور لكى نعلن عن حبها وهذا ما نفعله مع فن القصة العربية اننا نجردها من كل مزاياها لكى نتباهى باننا نفهم اسرارها، نمزقها من اجل التباهى بالاعجاب بها وهكذا يفعل النقد، والغريب فى الامر اننا نستخدم ادوات بعيدة كل البعد عن ادب القصة بداية من التفسير الاجتماعى وادواته الى الفحص البيانى والالى واستخدام كل ادوات التقدم التكنولوجى، ويبدوان نقاد الادب عندنا لا يذاكرون ادواتهم جيدا لهذا فهم يهاجمون بضراوة كل ما فى ايديهم من ادوات (الحرب) على فن القصة، ونتيجة لهذا الهجوم الشرس وغير المدروس، زحفت جحافل (الفتاكة) و(الفهلوة) و(التغريب) ومعها رايات الهوس بدعوى التجديد والحداثة والحساسية القديمة والجديدة.. اننا نفعل بادبنا ما نفعله فى حياتنا عموما، نقطف الزهور لكى تذبل فى انيات من زجاج مغشوش ولان (المحفوظات) سهلة وميسرة فان اللافتات يمكن رصها بسهولة شديدة، ورحم الله نقاد الادب الذين كانوا يقضون ايامهم فى دراسة متانية للاعمال القصصية.. ونكسب نحن القرار من الناقد دراسته بعد ان نكون كسبنا من المبدع الاستمتاع بقصته هكذا تطور الادب القصصى اما الان فنحن لا نملك الا الرثاء للكاتب المبدع وللناقد الدراسى.
تائهان وكاتب
والكاتب احمد دسوقى يعد من جيل الستينات وفقا للتقسيم الذى ارتضاه النقاد، ويقصد هؤلاء الذين شقوا عصا الطاعة على القديم وشقوا لانفسهم طريقا جديدا، فمنهم من استمد وواصل، ومنهم من اخذته الحياة بمشاكلها وابعدته عنوة عن طريق المواصلة، واحمد دسوقى من هؤلاء النفر الذين لم يقدروا على المواصلة والاستمرار امام زحف مضاد اهمه انصراف العامة والخاصة عن الابداع الادبى وايضا تحت ضغط الحاجة المادية لحياة انسان هذا العصر، ولهذا تعجبت ان تكون عنوان المجموعة يدل على صاحبها، (التيه) الذى عاشه جيلنا والتائه الذى هو احمد دسوقى وهو انا وهو انت وهو كل فرد عاش حروب الزمن الغاضب الذى لم يرحم كبيرا ولا صغيرا و(القصة من منشورات عام 1968) ولكنها تعيش اللحظة الم اقل لكم ان هذا التفسير القاصر لفن القصة يمكن ان يقتلها لناخذ شريحة من القصة:
تعثرت فى بضع حجرات مرصوصة امام البيت كادت توقعنى، ارتفع على الاثر صوت صغير يحتج:
– حاسب يا عم…هديت البيت
نظرت اليه..كانا صغيرين متجاورين: ولد وبنت رصا معا قوالب الطوب فى مربع صغير وجلسا فى داخله يلعبان
واحسست بالحنين يتدافع الى قلبى رقراقا انحنيت اليه ربت على كتفيه الصغيرتين هو وزوجه الصغيرة قلت لهما فى حنان بالغ وانا اغبطهما فى دخيلتى:
– متأسف
وابتسمت لهما:
– هل اجد عندكما شقة لى؟
ردت الصغيرة:
– لا
– قلت فى مداعبه:
– لماذا يا ست الدار؟ انا غريب ومتعب جدا وابحث عن شقة
رد الصغير فى حسم يقطع بيننا خيوط الحديث:
– (دا) بيتنا وحدنا…لا احد يدخل فيه
والرواى وقف هنا عند الصغيرين بعد ان ذهب الى كل اصدقائه بحثا عن (الجماعة) عن (الشلة) عن (الونس) ولكنه لم يجدهم جميعا مشى وحيدا، كان فى حاجة الى (الاخر)..وهكذا ضاع فى بحر الوحدة تلك الصورة التى رسمها الكاتب، منذ ذلك الزمن الطويل، هى نفسها قصتها الان، هى نفسها قصتى انا – ايضا – الان، وهى نفسها قصة كل واحد منا هذا (التيه) فى صحراء الوحدة رغم كل هذه الكثافة السكانية، انها (نغمة احمد دسوقى) الا يستحق ان يسال لماذا لم يتح لهذا الرجل ان ينشر اعماله وياخذ حقه لقد قرات المجموعة وانا اكاد اصرخ مع كل صفحة منها لماذا تجاهلنا مثل هذا الاديب.
اللغة عند احمد دسوقى
ولغة احمد دسوقى ملفتة للنظر، ربما لانه يجلس فى استراحة الكاتب المصرى الذى اخذ على نفسه ان ينقش الحجر ويحفر الصخر ويدق بالمسمار الحديدى مربعات الجرانيت فى اتقان وصبر لا يهمه الزمن ولا تحاصره اشرطة التسجيل واصوات الموسيقى الصاخبة لهذا جاءت رصينة، هادئة معبرة، الجملة تاخذ حقها، الافعال فى وضعها، البلاغة هنا تبليغ تؤدى الوظيفة المنوطة بها، المهم المعنى المقصود كيف يصل.
(فتاة تبدو من بعيد خطواتها على الطريق متهادية مستانية شعرها الاسود الاثيث يرفعه عن راسها الهواء المجنون راحة يسراها تحط عليه تمنعه من حرب العبث مع الهواء صغيرة
لماذا تسير وحدها مع الغروب والخريف؟)
من قصة (شىء بيننا مشترك)
(اقبلت امى تتمايل…نحيلة، صغيرة القد كعصفور وخط الشيب شعرها، الام الروماتيزم تطحنك يا أمى) .. من قصة (اذا لم نقبل ما لا نرضاه)
ونحن هنا امام بيان بلاغى واضح ويمكن الاستدلال على ذلك بالعديد من الفقرات فى النص الذى بين ايدينا، اقصد ان البيان هنا ليس سحرا ولا تقعرا ولا يحزنون انها بلاغة القاص الذى يسعى حثيثا كى يصل اليك، هذا هدفه وتلك رغبته وعليك فقط احترام هذه الرغبة، وان كنا نعيب عليه عدم المحاولة الجادة لايجاد بلاغة تخصه، تنقله من الكاتب القاص الى المبدع القاص، وربما ان هذا العيب ما كان احمد دسوقى يقع فيه لوانه باشر العمل الادبى باستمرار ولمس بنفسه نتيجة هذا الاستمرار، اننا امام كاتب لديه ما يقوله ولكن لا احد يشترى ما يقول، ماذا يفعل شاعر ذهب الى عكاظ فوجدها قد انفضت قبل ان يصل، هل يقف على الاطلال منشدا للهواء والريح والصمت حتى ولوفعل هذا فلن ينقل عنه احد شعره، وكانه ما قاله ان الشعر العربى يدين بوجوده (للنقل) لهؤلاء النفر من الناس الذين كانوا يقومون بنقل اشعار الشاعر والتسامر بها والتباهى بحفظها، هؤلاء نقلوا الينا تراث العربية الجميل والكتب الان والصحف ودور الاعلام هى تلك (الناقل) ولان الناقل احيانا، بل كثيرا ما ينام عن سماع الاشعار، فان الشعر لا يصل كله، وهكذا الحال فى اعمالنا الابداعية.
المضمون وحسرة الوحدة
لا نستطيع لوم الكاتب على تلك النغمة الحزينة التى (تصفر) فى طول الكتاب وعرضه، ولا يمكن محاسبته على الشعور الممزوج بالوحدة، ايضا الياس فالاديب ابن بار لبيئته وظروفه فهو ياخذ الحسرة من مجتمعه ويردها اليه، ويسمع الاهة ويعيدها ويترنم بها، وهكذا فعل كاتبنا ولا نملك له الا الرجاء فى الشفاء من هذا كله ولكن.. يجب القول ان الكاتب ليس مجرد ناقل للاهات وليس مجرد مردد لما يقوله مجتمعه انما هو رائد يقود شعبه للافضل وللاحسن ومن هنا نلوم الكاتب على نبرة الحزن ولا نعطيه الحق المطلق فى ان يفعل بنفسه قبل ان يفعل بنا ما فعله بنا، الكاتب القاص يحمل مشعل الامل والتبشير بالفرح انه ليس مصلحا اجتماعيا ولا رائدا سياسيا، انه اكبر من هذا كله انه وراء الصلح يدفعه دفعا لكى يفعل الافضل، وامام امته يحمل مشعل الرجاء والنور والامل، احمد دسوقى لم يفعل هذا الا فى القليل من قصصه
وهو فى قصصه (تائهان) و(الموظف المختص) و(شىء بيننا مشترك) ياخذك الى تيه الوحدة ورغم سخرياته اللاذعة فى قصص مثل (كيفية ذبح الدجاج) و(الرهان الخاسر) وايضا قصة (كانت اياما جميلة).
التباين ووجع القلب
وقصص المجموعة تاخذ مساحة من الزمن طويلة فالقصة الاولى نشرت عام 1968 والقصة الاخيرة نشرت عام 1983 وهناك عدد من القصص لم يحدد الكاتب تاريخ نشره ولا مكان النشر بالتالى وان كنا نعتقد انه يمكن القول ان الكاتب استغرق اكثر من عشرين عاما لكى يجمع تلك القصص، لهذا يمكن ملاحظة التباين فى اللغة والاختلاف فى الاسلوب بين قصة واخرى وايضا تنافر فى التناول مع استخدام قوالب فنية مختلفة، بل انه احيانا يعود الى الخلف رغم تاريخ النشر وان كنا نعترف بانه الزم نفسه بطريقته الاساسية فى كتابة القصة وهى المباشرة والوضوح وعدم المغالاة وايضا البعد عن التغريب والانخراط فى مهازل ما بعد التجديد
فى النهاية
يجب الاعتراف اننا لا يمكن فى هذه الدراسة ان نقدم تفسيرا وتوضيحا لكل شىء فى عوالم هذا الكاتب.. وان كانت فلسفة هذه الاصدارات ان تقدم (الكتاب الجدد) وان ينشر بعطائهم الابداعى.. لهذا اكتفى بالقول بان القارى سوف يجد بعض الاختلاف معى فيما ذهبت اليه ولكننا فى النهاية سوف نتفق حول اهمية احمد دسوقى كأديب قاص متميز.