محمد عبدالوكيل جازم
اللوحة: للفنان الفرنسي Nicolas Besle نيكولاس بسلي
كنت قد قرأت أعمال الكاتب عبدالقادر صبري المسرحية قبل عدة سنوات، وأثار أسلوب عبدالقادر المسرحي دهشتي الأمر الذي قادني الى الإشادة بتلك المسرحيات الفاتنة. وكنت كلما التقيت به يأخذني الحديث إلى المسرحيات التي تتمتع بمكانة فارهة في ذاكرتي، وفي كل مرة كنت أحاول جرّ عبدالقادر الى مزيدٍ من الكتابة المسرحية، ومزيدٍ من الإبداع والحلم والإدهاش.
وفي كل مرة كان يرد عليّ بأنه لن يكتب إلا إذا أخذت أعماله المنشورة حقها من النقد والتداول، والتجسيد على خشبة المسرح، والحقيقة أنه محقٌ فيما ذهب إليه، فما أمرّ أن يحس المبدع أنه يصرخ وينبه ويشير، ولكن لا أحد يلتفت إليه. لا أحد يترجم تنبيهاته أو إشاراته، وكأن الأمر لم يكن !
لم أستطع مواصلة الإلحاح على عبدالقادر وحثه نحو الانزلاق إلى غياهب الكتابة؛ لأنه يمتلك تجربة نوعية في هذا الاتجاه، هذا أولاً، وثانياً لأن حجته قوية وحجتي رومانسية. كيف يمكن للمبدع أن يستمر، وهو لا يجد أدنى تقدير لما يكتبه أو يقوله؟! وربما قادته الكتابة إلى أن يكون عرضةً للتصنيف، وهدفاً للمساءلة أو غير ذلك!
كان عبدالقادر قد قرر التخلي عن حلمه لمسرحي، وبالتالي الالتفات إلى عمله الخاص. فربما كان ذلك أكثر جدوى؛ لأنه أحس يومها بخيبة أمل خاصة وأن البلد فقدت أقلاماً كثيرة على ذلك النحو، وكأن مصائرهم تشبه تلك الحكاية الشهيرة في الحكي الشعبي: “حكاية الثور وحزمة العشب الأخضر”. الثور القوي النبيل الفتي الذي يحرث الشعاب الجبلية الوعرة؛ على أمل مكافئته بالعقدة الخضراء الندية الطرية. العقدة المربوطة أعلى الشجرة.. الشجرة التي تحولت مع الزمن إلى علامة فارقة لليأس.. يموت الثور “المبدع” ولا يصل إلى أمنيته الوحيدة.
في تلك الأيام التي كان يصر فيها عبدالقادر على مجافاة الكتابة للمسرح شعرت بأنه يلومنا جميعاً على الصمت.. يلومنا على اختيار التشرد بدلاً من الاستقرار.. والضياع بدلا من الأنس. يلومنا على خوفنا من المجهول إلى الدرجة التي نسينا فيها أصدقاءنا وأنفسنا ووطننا؛ فلم يعد أحدنا يقول لصديقه: “شكراً لما فعلته أناملك“.
نعم، في تلك الأثناء أثار موقف عبدالقادر صبري حزني، لكنني اليوم أتذكر ذلك بشيءٍ من الرضى لأن عبدالقادر انتصر على حزنه، وصرت ألمح ابتسامة حقيقية تعلو شفتيه وفرح شفيف يخفق بين يديه وعينيه. بمناسبة نجاح عروض مسرحيته، وقد رفع شعار إبداعي اتخذه كهدف في اشتغاله المسرحي: “معاً نحو مسرح لايتكئ على الغبار” ولعلني اليوم وقد عاد شيءٌ من الأمل إلى صاحبي سوف أدعوه إلى التمعن فيما أورده الدكتور عبدالعزيز المقالح في مقدمة المسرحية حين قال: “إن المسرح مايزال أصدق مرايا المجتمع، وأن على المبدعين الشباب أن يقتحموا أسواره المنيعة ويعملوا دون كللٍ ولا مللٍ على تحدي حالات الغياب التي يعاني منها هذا الفن ويسدّوا الفراغ الواضح في كتابة النصوص.“
أهم ما شدني إلى أعمال عبدالقادر قدرته الخارقة على خلق العوالم المتناغمة واللغة الكثيفة الموغلة بالغرائبية الواضحة والشاعرية المؤثرة المحلقة في أفق بعيد تسكنه الدلالات، والرموز والإشارات.
ثيمة النص
بين يدينا مسرحية “المفقودة والأشباح” للأديب المثابر عبدالقادر صبري، طُبعت عام ٢٠٠٤م ومثلت على خشبة المسرح – قبل ظهور أي عمل إبداعي ثوري – عام 1991م، تنبأت بأحداث، الربيع العربي اليوم، وقد ظهر ذلك في المسرحية على شكل إسقاطات في الأحداث الدرامية؛ حيث تماثلت بعض وقائع المسرحية مع وقائع ثورية على الأرض كما أن الكثير من المفردات التي استخدمت في المسرحية تم استخدامها بشكل أو بآخر أثناء الاحتجاجات التي شهدتها الميادين العربية.
تقوم ثيمة المسرحية على فكرة الثورة عبر حيثيات البحث عن الأختين “كرامة وكبرياء”، تقوم المسرحية على شخصيتين وحيدتين هما: الأب والأم يلتقيان – بعد فراق – أثناء بحثهما عن ابنتيهما المفقودتين: الأم تبحث عن ابنتها كبرياء، والأب يبحث عن ابنته كرامة.
وبعيداً عن الرمزية في المسرحية فإن الأب جاء من السجن بعد أن قضى فيه أكثر من أربعين عاماً، وكذلك الأم تأتي من إحدى المستشفيات التي احتجزت فيها كل هذه المدة.
يتخاصمان، يتعاركان، يتحاوران، ثم يتفقان ويعودان إلى كوخيهما خاصة عندما يكتشفا أنهما يبحثان عن الهدف نفسه، وان المصيبة التي تجمعهما واحدة. يعودان ولكن دون كبرياء ودون كرامة.
تطارد الأم دائماً فكرة الأشباح، لذا عندما يذهبان هو وهي إلى الكوخ يجدان انه مليء بالفئران والعناكب.
تخاف الأم ويحاول الأب تهدئتها.. ينصحها أن تنام لأن النوم أفضل طريقة للتغلب على الخوف.
يزداد حضور الأشباح في الكوخ.. فيذهب الأب إلى مؤانسة زوجته بالتذكر يسألها: هل تتذكرين يوم ولدت كرامة؟!
ثم يشير إلى إن كرامة ولدت مبتسمة مثل جدها الذي كان يبتسم عندما مات؛ لأنه مات شهيداً.
في نهاية المسرحية تحدث انفجارات رعدية كبيرة، وصواعق وبروق وأمطار، وعندما تأتي المفقودة التي كان يعتقد أنها لن تأتي، يطغى حضورها على كل الأصوات، تتوسط الفتاة خشبة المسرح وهي تقول: ألم أقل لكم أنني سأعود؟!
التنبؤ بالربيع العربي
قرأنا كثيراً عن روايات عربية تنبأت بالربيع العربي، والثورات العربية، وأشهر تلك الروايات رواية “أجنحة الفراشة” لمحمد سلماوي، رئيس اتحاد أدباء وكتاب مصر، التي قيل أنها تحدثت عن ثورة مصرية تستثمر الثورة التكنولوجية الحديثة، ومن الروايات أيضاً- “إسكندرية ٢٠٥٠” لصبحي فحماوي، و”الحاكم لصاً” لمحمد عباس.
أما يمنياً فإنه يمكننا إضافة مسرحية “المفقودة والأشباح” لعبدالقادر صبري لتكون أول عمل يمني يتنبأ بالثورة اليمنية والثورات العربية، وإن من بين الإلماحات الأكثر رؤيويه في المسرحية وصف الكاتب لخشبة المسرح؛ فهو “عبارة عن شارع خال من الناس في مدينة شبه مهجورة وكأنها خرجت للتو من أتون حرب مدمرة”ص23.
وإن جاز لنا أن نستقرئ ذلك من عوالم المسرحية ومفرداتها؛ فإننا سنجد مفردة الكرامة التي اختارها الثُّوار لتكون عنواناً لجمعتهم يوم ١٨ مارس عام ٢٠١١م نجدها تعبيراً مكثفاً عن الهدف الذي من أجله خرج الشعب، وهي رؤية أطرّت آمال الكثيرين، وسمعنا يومها أصوات مرتفعة تنادي بكرامة الإنسان وأهمية عزته. في حديث للأب وهو يصعد إلى خشبة المسرح يقول:
“آه يا كرامتي..آه.. يا ابنتي العزيزة
لا أحد يريد أن يخبرني أين أنت
أنا أعرف أنهم جميعاً يعرفون.. ولكن لا يريدون الإجابة ” ص29
يترك الكاتب طاقة كامنة بين السطور عند استخدامه لمفردات انشطارية؛ فهو يخاطب جمهوره ويعرف جيداً أنهم يعرفون ما يرمي إليه؛ فيحاول استنهاضهم بتحميلهم مسؤولية المعرفة وإن حاولوا التملص من ذلك.
ويمكننا هنا أن نشير إلى الأب “الرمز”؛ أو المعادل الموضوعي في المسرحية ل”الشعب”، خرج للبحث عن الكرامة، والعمل على استردادها، من الضياع الذي طال أمده، ولعلنا نلمح في تحديد الزمن ب”أربعين عاماً” عاما من الفراق والتشرذم؛ نلمح نبوءة دقيقة خاصة، وأن هناك ما يعادلها على أرض الواقع، ومن ذلك مفردة الكبرياء التي استخدمت في المسرحية كرديف لمفردة الكرامة كما اتضح في نهاية المسرحية وهو ما حدث في الواقع، فقد ترافقت المفردتان في الميادين والساحات والطرقات والشوارع المفتوحة وغير ذلك. ومن النبوءات التي ساقها المتن الحواري في المسرحية ذلك الذي جاء على شكل شعري:
متى ترفع عن رقابنا قدمك؟
كي نعبر جسر الأنة والآهات؟!” ص 49
ثم يصعد من حدة المطالبة وكأننا في مظاهرة علنية وسط صنعاء
الأم: انهم ليسوا شبحاً واحداً
الأب: متى ترحلون؟
متى ترحلون؟!
متى ترحلون؟! ص50.
نعم فقد تواجدت في المسرحية نفس الحالة الشعورية، واستخدمت في الواقع شعارات وارتفعت أماني وتبلورت مفاهيم تماثلت تماماً مع النص؛ فمتى سترحلون يا أيها الأشباح، ويا أيها “الشبيحة“.
ثمة – أيضاً – مفردات شكلت بدلالاتها قاسماً مشتركاً بين نبض الشارع اليوم وبين بناءات المسرحية التي جرت أحداثها في مسرح خيال الكاتب قبل سنوات عديدة من اندلاع ثورات الربيع العربي.
وهناك مفردة الكهرباء التي جاءت على لسان الأم التي تتخيل الأشباح وهم يصعقون جسدها.. الأم هنا، هي في الحقيقة رمز الوطن الذي تناوله عبدالقادر.. الأم تهذي وهي في عز الصحو، تقول بأن هناك أشباحا تتناوب على تعذيبها بواسطة تعريضها للصعقات الكهربائية.. وهو أمر ألفنا على سماعه.. انه فعل الأشباح الذين ظهروا على مسرح الحياة بشكل أو بآخر؛ حيث لا يستطيع أحد معرفة من هم وأين يسكنون؟.. ومن أين يأتون؟ وماذا يريدون؟! وهي أسئلة كانت تؤرق شباب الثورة الذين تعرضوا لأصناف متعددة من العذاب؛ فالفصائل المتناحرة اليوم مثلت أشباح حقيقية.. أشباح متناحرة ومتعددة، والأم لم تعد تعرف لماذا يعذبونها ومن هم.
من المفردات المشتركة بين عالم الخيال وعالم الواقع اليوم هذا المقطع الذي ذكر فيه الكاتب مفردة الساحات يقول:
مرساك هناك يا وطني
في الساحات البيضاء
في الساحات الحمراء”40
لغة المسرحية
تتعدد اللغة داخل المسرحية؛ فهي أحياناً لغة شعرية وأحياناً لغة شاعرية، وأحياناً لغة سردية وأحياناً لغة سيميائية مفتوحة على التكثيف؛ ففي قولنا أن لغة المسرحية شعرية، فإن ذلك يبدو من خلال الجمل الشعرية التي تتداخل في متن النص مع بقية أجزاء البناءات.. يقول الكاتب في الإهداء “إلى آلاء ياسين / وإليك يا أمي / ها هو لم يأت بعد/ ها هي لم تأت بعد/ فبأي آلاء ربكما تكذبان.. إلى صنعاء…” وهكذا من أول جملة في المسرحية تستطيع أن تستشف احتفاء كاتبنا بالشعر؛ ولكن لماذا الشعرية في المسرح تحديداً، تتداخل وتمتزج مشكلة لوحة شديدة الوضوح؟!
يرد على هذا التساؤل الدكتور عبدالعزيز المقالح في المقدمة؛ حيث يقول “ينتمي عبدالقادر إلى جيل التجريب والتجديد” ص9
كان بإمكاني أن اسمي هذه الورقة “التجديد والتجريب في مسرحية المفقودة والأشباح” لأن هذا النوع من المسرح يدخل ضمن المسرح التجريبي – المسرح الذي يخرج عن القواعد الاستاتيكية لمفهوم المسرح، المسرح الذي يذهب إلى نقاط بعيدة في الشكل والمضمون؛ حيث يصبح خليطاً من المسرح الناطق، والمسرح الصامت، المسرح الشعري والمسرح السردي، المسرح السطحي والمسرح العميق. والمسرح الشاعري، لنتأمل هذا المقطع:
الأم: أما زلت تنظر الى القمر
الأب: لازالت السحب السوداء تحجبه.
إلام: ترى هل اكتمل؟
الأب: لست أدري.. السحب كثيفة، ولا أستطيع
رؤيته ولكني أحس أنه مكتمل.”ص127
يحتفي النص باللغة الشعرية؛ لأن اللغة الشعرية قادرة على النفاذ إلى الهدف بقوة، الشعر موسيقى طاغية كثيفة أكثر قدرة على التأثير، ولنا أن نستشعر ذلك من خلال هذا المقطع الذي ينساب بخفة إلى دواخل النص، وكل ما فيه شعر وكل ما بعده شعر أيضاً.
يقول الكاتب على لسان الأب:
“طريقك طويل يا وطني
وليلك يا وطني أطول
مرساك هناك يا وطني
ليس في الأرض
ولا في السماء
إنما هناك يا وطني
في الساحة الواقعة
ما بين الكرامة والكبرياء.”ص137
نعم الشعر هو الصفة السائدة في المسرحية فعلى الرغم من قدرة الكاتب على استخدام لغة مغايرة بأدوات متقنة، إلا أن الشعر هو المنبع الأصيل المتدفق في سواقي الحنين إلى الهدف الأسمى في فن التجريب الحداثي وللتأكيد على ذلك سنختطف المقطع التالي من المسرحية:
سأعود بقصيدة..
تصرخ في وجه التاريخ
سأعود بقصدة من بيت واحد..
والبيت من كلمة واحدة..
وطني..
وطني..
وطني..” ص135