مصطفى البلكي
اللوحة: الفنان الإسباني بابلو بيكاسو
وقف وألقى نظرة، جعلها سريعة ومتجاوزة الكتل البشرية، عرف أن بينه وبين المصلحة مسافة، نصفها يسكنها المتظاهرون، والنصف الآخر حكرا للسيارات الزرقاء والعساكر المدججين بالأسلحة، ولأنه يعرف أن الوقت ليس فى صالحة، قبض على المظروف الأصفر، وتحرك. بصعوبة حول نفسه كدودة، ينفذ من بين الفرجات، ويبتعد عن مناطق البلل، خوفا على الحذاء، من حوله تتردد الكلمات (عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية)، يفوقها دعاء جده، الذى ودعه به (ربنا يفتح لك الأبواب المقفولة، ويوقف لك أولاد الحلال).
الآن هو فى منتصف الميدان، أمامه بحر من البشر، وخلفه أيضا بحر آخر من البشر، بنات وشباب، وعدد لا بأس به من الشيوخ، تجاوز البنات، والشيوخ، وراح يدقق فى وجوه الشباب، وهو يقول” ربما أجد أحدهم”، يركز فى الملامح، الزمن ليس فى صالحه ما دام هو فى وضع الخروج من هذا البحر، هكذا يوقن، فيضيق خطواته، بينما المشاهد تتلاحق أمام عينيه.
تقدم من العيون الشاخصة إلي الحذاء القديم في قدميه، وقميصه الملتصق بجسده، وشعره الطويل غير المهذب. تجاوزهم وأهمل نظراتهم، واختزل اللحظة في عودته، ونظرة الفرح تلوح في عينى جده.
انزعج من تصميمهم الجمعي لملاحقته، فضرب أخماساً في أسداس، سرعان ما دفعوه إلي التراجع للوراء، والاحتماء بجدار، وضعه جعله لا يرى إلا نصف القاعة، وبالتالي نصف العيون المحدقة، التي راحت تظهر له كالدواب، تخرج ألسنتها التي استطالت، وشرعت في لعق جسده، لعقهم لا يحمل أي نوع من أنواع الأمومة المشحونة بالحنان، والذى مع الوقت واستمراره، أدخل التوتر لجسده، فاستسلم لوجه جده وقرشي تاجر الأشياء القديمة يضاجع السعادة بالقرب من عربة الكار والنائم علي سطحها قدر من البلاستيك القديم، يقلب بيديه أشياء كان كلما حط في في الساحة رآها، وعرض شراءها، كان لا يقنع بالرفض، لتمسكه بالحلم…
رؤيته نظرات قرشى الباردة وهو يخرج المحتويات، وكذلك رؤيته لعينى جده البارزتين من خلال الباب الموارب، جعله يقف ثابتا، سرعان ما تحرك، فعل قام به حينما انتهى قرشى من عملية الجرد وهم بأخذ الصندوق بغية وضعه علي ظهر الكارو، حجمه وقال له إنه ليس للبيع، لحظتها وقع نظره علي عينيّ جده، وجدهما مبللتين بالدموع، قرشى أخبره أن من تحكم في ماله فما ظلم، وانهي كلماته بقوله:
الدنيا تلاهي
خدوها الملاهي
فتوها زي ماهي
ـ اللجنة قدامها شوية..
غادر الغرفة المكتظة بالعيون، بحث عن مكان يصلح للجلوس، لم يجد. مدفوعاً بقوة خفية قادرة، شرع في تشكيل صورة أخرى، استمدت مقوماتها من الوجه الأسمر الضارب إلي الاحمرار، يتراءى له، مرتبك، وهو يبحث له عن مال يكفيه في مشواره، يأتى بأفعال غريبة، ينعكس على جده، فيردد “لا حول ولا قوة إلا بالله”.. يتركه ويخرج، بينما صوت قرشي يتردد:
“كل حاجة قديمة للبيع”.
وجهاً لوجه مع صراخه في الشارع، ثمة سؤال جال في رأسه وهو يري الصندوق بجوار الباب. أيكون هو الحل؟ أوقف الصوت، وبث نوعـاً من النشـاط فــي جسده المتخشب، فتحرك للوراء بمقدار عدة خطوات نقلها، الوضع الجديد اتاح له رؤية جسد قرشي وعينيه المتطلعتين إلي الصندوق..
أوقف الصوت، وبث نوعـاً من النشـاط فــي جسده المتخشب، فتحرك للوراء بمقدار عدة خطوات نقلها فارتطم بالباب.
صوت خربشة صدر ففرت عينه لتواصل سقوطها، الذى لم يستمر إلا بمقدار بضعة أشبار، لتقف عند يد جده، تعبث بين مكونات الصندوق، يقول:
ـ خلاص ملوش فايدة.
في أغلب الأوقات، تتفجر الحكايات التي تقال في سياق الكلام القادم من صندوق، يسلم أذنيه لسحر كلامه، متحدثا عن ماكينات الري التي أصلحها، في البلد وفي البلاد المجاورة، كان يعرف أنه يوثق صلته بلحظات شكلّت ولو جزءاً من حياته، يفعل ذلك بروح طفل، وبعقل رجل سبعيني يعرف أن الماضي هو الأب الشرعي للحاضر، الذي بدوره العائل لمستقبل قادم…
والجنيهات في يده، لأول وهلة رأى معالم الغرفة متداخلة، كأنها أطياف، علي الجدران شاهد جده، وهو يأخذ الصندوق في صدره بهدوء، ثم تابعه وهو يمضي لجوف الدار، ثم وهو يسمع تهشيمه، ارتبك، ومد يده، التقط مظروف الأوراق وخرج، وإحساس مخيف يسيطر عليه، يخبره بموت لسانه عند حاجته للكلام ليهون عن جده، ويخبره بموت قلبه عند حاجته للحياة…
طالب بقوة ظنها كافية لإسكات ذلك الصوت، حتى لا يكبر ويحيل صفاء عقله إلى مجرى مائي عكر، يكون بطيء الحركة، وكالشاطئ الذى يعيد تشكيل تضاريسه كلما انحسرت عنه موجة من موجات المد، بدأ فى التحكم في أنفاسه حتى يستعيد الهدوء الذى عصف به ما حدث..
هب من صمته وشروده، علي دقات قلبه المتسارع والصوت يأتى من جوف الغرفة:
ـ اتأجل الامتحان للسبوع الجاي.
يعود إلى واقعه بصدر تتردد فيه بوادر الغضب، يقوى وهو يرى العسكر وهم يتقدمون، يلتصق بالشباب، فيفلت المظروف ويميل إلى كومة من الاحجار يلتقط واحدا، وينتظر، فتلوح له المصلحة، وبعزم ما لدية من قوة يحدف الحجر، ويقف ثابتا في مكانه، بينما فمه يردد (عيش حرية عدالة اجتماعية).