المواطن (س)

المواطن (س)

حنان الآغا

اللوحة لفنان الجرافيتي الإنجليزي بانكسي يصور مؤسس شركة أبل ستيف جوبز رمزاً للمهاجرين السوريين 

حملته السيارات والحافلات والقطارات ووسائط النقل جميعها، سار في الأزقة، قطع الشوارع، وجلس على أرصفة الكون.

ما تبقى من حصى وبقايا أشياء ملتصقة بالإسفلت، حفرت في نعلَي حذائه نقوشا متشابكة، متداخلة متقاطعة.

يجلس فوق أحد الأرصفة النائية لا يظله سوى عمود بمصباح مكسور، فكر في الأرض النقية الندية، هناك، عندما كانوا يقطعون شجرة لضرورة ما، كان يكفي أن تتأمل مقطعها، وتعد الدوائر التي حفظت فيه لتعرف عمرها بدقة، أما هنا.. وضحك ساخرا من نفسه وهو يخلع حذاءه، تأمل النعلين فوجدهما قد حملا تواقيع الشوارع، وبصمات الأزقة، وأنّات الأرصفة. لكن لم تشر هذه الأحافير إلى ما مر من زمن التشرد.

حمل النعلين بيد، ووقف مستندا إلى الشبك المعدني المقام إلى جانب الجسر، دس يده الأخرى في جيبه عميقا، فخرجت بورقة مطوية بعناية.

قرب الورقة إلى فمه، وحاول إمساك طرفها بين شفتيه، في محاولة لفض طياتها، في اللحظة التي انقضت على كتفيه وذراعيه ما يشبه آلاف الأيدي والفوهات الباردة.

نظر في الوجوه الشاحبة، والورقة ما يزال طرفها ملتصقا بشفته السفلى، بينما تطير وجها وظهرا بفعل الأنفاس المختلطة.

اقتيد دون كلام، حاول أن يقول شيئا لكن الورقة منعته، فقد طارت أطرافها فأغلقت فمه، وحدها أذناه كانتا تلتقطان ظلال كلمات باهتة، (إرهاب، توريست، جسر ـ تفجير) التصقت الضحكة الخرساء في حنجرته وهو يقعي في زنزانته، انتزع الورقة الملتصقة بشفته فانتزعت بدورها طبقة رقيقة من جلدها وسال الدم، لم يجد ما يمسحه به غير الورقة، اصطبغت كل الكلمات بالأحمر القاني، عبارة واحدة في رأس الصفحة بقيت واضحة: تصريح لم شمل!

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.