شماتة الأعداء

شماتة الأعداء

محمود حمدون

اللوحة: الفنانة المغربية فاطمة طهوري

كذلك صديقي”سامي”، شأنه شأني يحب ” الخريف ” ويهاب ” الشتاء ” ويكره ” الصيف “، اجتمعنا سويًّا على أشياء أحببناها معًا وأخرى نمقتها كما نكره الموت.

و”سامي” صديق عرفته منذ عقود أربعة من السنين، رخيم الصوت خفيضه، واسع العينين كعيون العذراوات ، يخفيهما وراء نظارة طبية رقيقة كحال قلبه الطيب، ينحسر شعر رأسه قليلًا للوراء كأنما يُفسح مساحة لعقله للإبداع.

له باع في قرض الشعر، تدوين الخواطر الأدبية بأسلوب ساحر آخّاذ، راجت حوله من فترة بعيدة إشاعة عن رواية كتبها منذ سنوات، سألته صراحة وصمت دون إجابة شافية.

 لكنّي لا استغرب ذلك فهو أديب يحيط نفسه بغموض كي لا يعلم عنه الناس معاقرته لحرفة الأدب والقص،وبحسب علمي وقربي منه منذ سنوات الصبا وبحسب حديثه القليل معي فوالده رحمه الله كان جبّارًا في الأرض، لا يعجبه العجب ويكره الصيام في غير ” رمضان”، يميل للقسوة وإن كانت باطنها الرحمة، يُرسل حال الغضب شواظ من نار من عينيه وإن تستّرت وراءها رأفة.

قال صديقي أن أبيه كان يُنكر أن تُصبح حرفة الرجل الحكي والقص ورأى ذلك عيبًا وهو “الصعيدي” الغيور على التقاليد والأعراف والتمسّك بها طالما بقيت نفسه تتردد بين جنباته.

 ثم أثنى بقوله: أن صوته علا ذات مرة وسُمع بالميادين القريبة حتى وصل لأول الطريق الصحراوي حينما علم أن ولده يقرأ ” رواية ” وزاد الطين بلة حينما وشى إليه جار حاقد بأن “الصبي” يميل لتدوين حكايات الأقدمين، على إثرها نال الإبن “علقة ” ساخنة، بنهايتها كان أقرب للموت، لولا بقيّة من عمر تشبّث بها، وقد حُفرت الواقعة أثارها على جسده حتى اللحظة، بقي منها بضع ذكريات علقت بروحه.

يقول صديقي الأغر: كان الأب يهوي بقبضته التي تُشبه “خف الجمل” على وجهي الضعيف ومع كل صفعة تنزل على صفحة الوجه كان يجهر بعبارة يتيمية مكررة: “عايز تبقي أدباتي أراجوز”، يا شماتة الأعداء!، لم يرحمني من بطشه إلاّ أمي رحمها الله حين حالت بيني وبين حتى لا أصبح من الهالكين.

ويستطرد صديقي في الحديث وقد استقرت على وجهه آية من حزن طفت من أعماقه حتى خشيت عليه: اندفع أبي كقطار ديزل خرج عن قضبانه بليلة مظلمة قارصة البرودة، وهجم على غرفتي، تلك التي لم أقطن بها وحدي أبدًا بل مع أخوة ليّ لم يربطني بهم سوى الدم وشهادة الميلاد، فنزع صور أعلام للأدب على رأسهم ” نجيب محفوظ، يوسف ادريس، يحيى حقي “وبطش بديوان” لأمل دنقل “كان وقودًا لثورة تتأجج مبكرًا بأعماقي، صورة وحيدة لفاتنتي” سندريلا الشاشة ” إذ كنت أرى في عينيها نظرة حنان كانت تخفّف عنّي قيظ الحياة القاسية وتُعينني على تحمل سُخف الدراسة والمذاكرة وتبعث أملًا بداخلي أن الحياة بها من المتع ما لا أعرف ولم اسمع به من قبل..

 نزع أبي كل الصور المعلّقة على حوائط الغرفة وتلك التي تستقر تحت وسادتي، بسريري الحديدي، ثم وقف بمنتصف الغرفة بعد أن جمعنا أنا وأخوتي صفّا واحدًا وأعناقنا من هيبته منكسة، وأعلنّا بقراره: بائس من يُقبل على قراءة الروايات، كافر بأسرتنا العظيمة هذه من يقرض الشعر أو يميل للسرد، هدأ قليلًا وقد أصبح المكان كساحة الوغى، تتناثر بأرجاءها أشلاء ضحاياه، ثم خرج وأغلق الباب خلفه بقوة بعد أن تفل على يساره ثلاث.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.