فخري أحمد شهاب
اللوحة للفنان الياباني سیامیدا موتوناغا
في العالم بلاد ثلاثة تمنيت أني كنت ولدت في أحدها أو كنت أمُتّ الى أي منها بصلة وثقى: سويسرا وألمانيا واليابان. وتميز هذه الدول الثلاث خصائص جمة تحببها إلى نفسي، ولكن أعظم ما يستدعي إعجابي بها كلها، وبثالثتها على الأخص، هو سعيها الدائب المتواصل لإدراك الكمال . فهو فيها مثل أعلى يلتزم الفرد به كما تلتزم الجماعة، وهو التزام شامل مطلق لا استثناء فيه، ينطبق على صغار الأمور وكبارها على السواء.
ذكرني باليابان، وعندي الكثير مما يذكرني بها، الإضرابات التي تقوم بها الشعوب العربية، وطريقة تعاملهم معها، فأعاد ذلك إلى ذهني أحداثا شهدْتُها في اليابان ولن أنساها ما حييت لطرافتها، ولأنها تلخص جانبا رائعا من الخلق الياباني والوطنية كما يعرب عنها اليابانيون.
وما يغريني بروايتها الطريقة الفريدة التي استخدموها في حل مشكلة تواجهها الشعوب الأخرى، وانفرادهم بتشخيصها، والنظر إليها نظرة عقلانية مختلفة عن غيرهم من الشعوب، ومعالجتها بحكمة قَصُرَ عنها الآخرون!
اتفق لي أن زرت اليابان نيفا وعشرين زيارة في السنوات العشر بين 1969 وبين 1979، وقد زرتها مرارا بصفتين مختلفتين : زرتها يوم كنت أمثل شركة البترول الوطنية الكويتية ، ثم زرتها بعد فترة مستشارا لشركة يابانية كبرى، وكانت تتكشف لي في كل زيارة من هذه الزيارات جوانب من الحياة فيها حببتها لي أكثر فأكثر، وكبر إعجابي بها، وزادت محبتي لها، كلما ازددت لخصائص شعبها وحضارته فهما.
وفي الزيارة التي أروي بعض أحداثها اليوم كنت أمثل شركة البترول الوطنية الكويتية ، فلم يكن مستغربا أن كانت تستهدفني شركات مختلفة لأغراضها المختلفة، سواء عرفتْ ما كنت أبحث في اليابان عنه أم لم تعرف ، وظفرتْ بي شركة هندسية كبرى كانت تأمل أن تعرّفني على نشاطاتها الواسعة في جوانب مختلفة من صناعات البترول، وكنت تحققت عن نشاطاتها ومنتجاتها فلم أجد من بينها ما كنت أبحث عنه، فاستبعدتها من جدول زياراتي ومحادثاتي، فلم يزد ممثليها ذلك إلا إلحاحا ومثابرة على ملاحقتي بنشاط مجدد! فقررت تضحية يوم كامل من أيام زيارتي المحدودة لزيارة مقر الشركة المذكورة؛ رجاء التخلص من تلك الملاحقات، فاتفقت وممثل الشركة أن نتقابل في فندقي صباح يوم محدد لزيارة ما أراد إطلاعي عليه.
كان الفندق الذي كنت أقيم فيه ممتازا، وكان مزودا بكثير من وسائل الراحة من بينها شبكة بث تلفزيوني بالإنكليزية تذيع نشرة أخبار مبكرة تغطي أخبار العالم، ثم أخبار اليابان، وكانت تفرد جزءًا من نشرتها للأخبار الاقتصادية، وكنت أتابع تلك النشرات بانتظام لحيادها وتجردها وعمق تحليلها للأخبار، ففتحت التلفزيون في اليوم المقرر لزيارة مقر الشركة التي تقدم ذكرها قبل قليل، فظهر أن عمالها قرروا الإضراب في اليوم المحدد لزيارتي، وحقيقة أراحني ما سمعت، خاصة وقد كان اليوم مطيرا، والمسافة الى المصنع طويلة، فجنبني ما سمعت عناء يوم كامل كان سيضيع هباء، ولكن فرحتي لم تطل، إذ سرعان ما رن جرس التليفون يعلن وصول ممثل الشركة المذكورة إلى الفندق في الموعد المحدد؛ ليرافقني إلى مقر الشركة، كما كنا اتفقنا قبل، ولم يعقنا المطر ولا خبر الإضراب.
ولما سمع صاحبي ما قلت عما عرفت من نشرة الأخبار، استهزأ مبتسما مما سمع، وأكد لي أن برنامج يومنا لم يتغير، وسألني عن استعدادي أن أتناول وجبة الغداء مع زملائه في مطعم كبار الموظفين في المصنع، فلما أجبته أني لا اعتراض عندي على ما اقترح، اتجهنا الى “يوكوهاما” حيث كان المصنع الذي كنت دعيت لزيارته.
حين وصلنا المصنع لم أشهد اضرابا، ولا ما يشير إلى ما يشبه الإضراب، فقد كانت الأمور تجري بانتظام ملحوظ، ولم تدهشني نظافة المصنع ولا المظاهر المختلفة الأخرى الدالة على حسن سير العمل فيه في بلد اشتهر بالدقة والنظام، خاصة وأن المصنع قد اختير ليكون إعلانا لحسن منتجات الشركة، فذلك ما كنت أتوقع؛ ولكني دهشت من أمرين اثنين لم أر مثيلهما في بلد آخر في العالم: أولهما أن العمال اذا تحركوا للانتقال في أرجاء المصنع، كانوا يركضون؛ والثاني، أنهم، من رجال ونساء، كانوا يضعون على أذرعهم لفافات من القماش الأبيض عليها كلمات يابانية كتبت بحروف سوداء، فلما سألت عن سبب الركض، قيل لي إنه أمر مألوف يستخدمه العمال للاقتصاد في الوقت المنفق في الانتقال من نقطة الى أخرى على أرض المصنع !
أما قطع القماش الأبيض التي لُفّت على أذرع العمال والعاملات فهي وحدها علامة إضراب العمال ذلك اليوم! تلك رسالة تبعث بها القوة العاملة الى الإدارة والمالكين والرأي العام؛ لتعرب عن احتجاجها على تصرف تصر فته، أو نظام فرضته الإدارة، لم تستحسنه القوة العاملة !
هذه صورة من صور الحياة في اليابان التي أغرمت بها: بلد يتحكم العقل وسلامة المنطق – لا العاطفة والزعيق – في معالجة مشاكله والبحث عن الحلول لها .
استعيد هذه الأحداث في ذهني، وأقارنها بما يجري في إضراباتنا، وسلوك نقابات العمال هنا وسلوك النقابات هناك فيملؤني الأسف، وأتساءل: لماذا؟ لماذا نمتلك من الخيرات والثراء مالا يملكه غيرنا، ولا نمتلك قدرا من الفطنة والذكاء في إدارته والحفاظ عليه؟