أيها الطائرُ الجميل.. ما أنت؟

أيها الطائرُ الجميل.. ما أنت؟

 د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنان المصري محمد طوسون

 كنا فى حديث الشعر وتدني أسعار الثقافة فى السوق المصرية.. عائدين من ” ماسبيرو” مبنى التليفزيون فى القاهرة.. رحت أسمعُه قصيدة جديدة لى وهو يقود سيارته.. ركن السيارة إلى ظل شجرة على شاطئ النيل.. عقد ذراعيه على عجلة القيادة ثم وضع رأسه عليهما هنيهة.. احترمتُ صمته فانتظرتُ.. التفتَ فى تأثر ظاهر لم يفارق ذاكرتى حتى اليوم.

قال فى نبرة مشحونة بالثقة والدمْع: سعيد.. هذا هو الشعر!

يومها صدقتُ أستاذى يرحمه الله، الدكتور عبد الحكيم بلبع، أستاذ الأدب بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.. الرجل له فى الشعر ذائقة شهيرة نفاذة، وله فى النقد قدم راسخة يعرفها أصحاب الاختصاص.

صدقته كثيرا ولكنى لم أفهم تعليقه إلا قليلا.. كأنه أحس ذلك منى.. وضَّح كلامه بما زادنى غموضًا: نعم سعيد.. الشعر الحق هو ما يبقى فى وجدانك بعد أن تغادر النص..!

أمسكتُ.. حياءً.. فرحًا.. حيرة ً.. كأنه كلُّ أولئك.. كلامه الجميل هذا، يصلح تعريفا للشعر.. الموسيقى.. اللوحة.. المنظر الطبيعىّ.. الوجه الجميلُ.. أو كأنه كل أولئك.. فذلك جميعه، نصوصٌ رائعة كتبتها يد الخالق الأعظم، أوصنعتها يدُ المخلوق العظيم.

لا أحسبنى مخطئا ولا متواضعاً، إذا قررتُ الآن وبعد هذا السفر الطويل فى التجربة والقراءة، أننى لم أستطع بعدُ- ولا أظننى- أن أحدد للشعر مفهوماً يطمئن إليه الضمير العلمىّ، أو يستريح إليه الحس الفنىّ، حتى لكأن هذا الطائر الجميل”الشعر”، كاد من شهرة اسمه لا يسمَّى، كما يقول الشاعر اليمنى الجميل، “عبد الله البردُّونى” فى قصيدته عن “المتنبى”.

فأنا أجد الشعرَ شيئا يعمر نفسى حتى أوشك أن أدخلها عليه من أقطارها فتتقراه يداى يلمس، فإذا جئته أضعه فى متعين اللفظ، لم أجدْهُ شيئا، وأنا فى كل مرة عائدٌ عودة الصياد رأى شباكهُ تضجُّ بالأسماك فأقبل يعاسرها واثقا إلى حيث هو، فإذا هى تخرج إليه مهزومة ً مقطعة كأنها أنفاسه المهزومة المقطعة. 

هكذا مضت بى تجربتى الشعرية إلى اليوم، غير آسٍ على ما أمضيته من عمرٍ أتلفتُ عن مفهوم الشعر فى قراءاتى للمنجزات النقدية أو المصادر الحية من ذوى الرأي.

ثم أنا بعدُ، غير آسفٍ على ما لم أقرأه من هذه الدراسات.. فأنا مطمئن – وأرجو ألا أكون مخطئاً – إلى وجود شبهٍ كبير، بين “الحَمْل بالجنين الفنى وميلاده” من ناحية، وبين “الحمل بالجنين البشرى وميلاده” من ناحية أخرى.. فالمعرفة النظرية أو القراءة الواسعة حول عملية الحمل والولادة والرضاعة والمهد، والإلمام بالتقنيات الحديثة إلى غير ذلك، كل هذا لن يضيف شيئا إلى هذا الخَلْقِ الصادق، ذلك الذى خرج معجزة إلهية ً مدهشة ً ظلت الأمُّ طويلاً وهى تجدُها كونًا حقيقيا لا يحتاج إلى برهان.

 “الحملُ الكاذبُ” فى الطفل وفى الشعر جميعا، لن ينتج شيئا يهز النفس، حتى لو صليتَ عليه ب”يس” و”النازعات”، أو وصفته بما شئت من المصطلحات، أو لففته بما شئت من مُدهِشاتِ “كريستيان ديورْ”!

لقد استقر الآن فى الذاكرة الثقافية أن للإنسان – فضلا عن الشاعر- باطنا إذا خاطب الناسَ بفطرتِهِ، تلقوْهُ بفطرتِهِم، فأحسوه فى وجداناتهم دون واسطة، غير أن طول ألفتنا للغة وسيلةً للتواصل، أوهَمَ البعض بأن اللسان هو الأداة الوحيدة للتوصيل، ونسى هذا البعض، أن البشرية سافرتْ فى القرون الغابرة ذاهبة فى العجمة، وهى فى مسيرتها هذه تؤسس سلوكها على ما تتفرسه من ألوان الانفعالات عبر معانى الملامح وطبقات الصوت وحركات الأعضاء.. باختصار، عبْرَ البث المباشر بين المرسِل والمستقبِل.

نسىَ هؤلاء أيضا، أن اللسان لا يعدو أن يكون تفسيرا لما هو مبهم من أفكار المتكلم وأحاسيسه، تلك التى تولت روحُه بثَّها عبر حالاته النفسية وتعابير وجهه ولغة جسده وإرسالات عينيه، فاستقرت كالبرق فى وجداننا، وكوّنتْ أفكارَنا وحددت أنماط سلوكنا.

 وطبيعىٌّ ان هذا البث المباشر بين المرسِل والمستقبِل، غير محتاج إلى اللغة فضلا عن المصطلح.

 اللغة إذن، ليست إلا رموزا وإشاراتٍ أو علاماتٍ يمكن – فى حال دقتها – أن تنوب عن المعانى التى تبثها روح المتحدث عند من يعرف هذه المعانى، ولكنها لا تفلحُ فى هذه المهمة عند غير العارف بها، ولهذا تصبح اللغة حينئذ، وسيلة للتعمية والتضليل، فى حين أنه أريد بها أن تكون أداة للتفسير والبيان.

 لم أعد أتذكر الآن فى أى روايةٍ قرأت هذا المعنى عند “جولد سميث” من أن الناس يستخدمون الكلام لا للأفصاح عن حاجاتهم، بقدر ما يستخدمونه لمُداراتها، واعتبرْ ذلك فيما تسمعه من كلام بعض المحبين، أو السياسيين مثلا، لتعرف أن مسالكهم اللغوية طمست من وجوه الحقيقة أضعاف ما كشفتْ منها.

وأنت إذا أصغيت جيدا إلى ما يبثه البعض من لغة غير منطوقة، أدركت أنه يكاشفك بلسان حاله، ويخادعك بلسان مقاله.. باختصار.. أنت صدقته صامتا، وكذبته صائتا!

ما فائدة تحصيل مصطلح” الشعر” إذن، ما دام الشاعر أو القارئ يجد الشعرَ نفسَهُ، يفعمُ عليه إحساسهُ؟ إن من المعانى ما هو أعوصُ من أن يُعَبَّرَ عنه، لكنه أكبر من أن يُحبَس فى قالب لغوى، والشاعر الحق كالمحب الحق، واجدٌ من الناس من يتلقى عنه لمعةَ عينه، وومضةَ فكره، وخفقةَ قلبه، وجميع أسرار لغته، وهذا البعض بالتحديد، هو الذى يوفق فى الوقوع على مناجم الشعرية فى النصوص، وأنت لذلك تراه سابحا مع شاعره – أو مع حبيبه – فى عالم لا ألسنةَ فيه ولا آذان.

نحن لذلك إذن، نصدق بل نحب المبدعين الذين يعبرون بعفوية تفعم إحساسنا بالنص، وننفر بشدة ممن ينشغلون بالبهرجة والتأنق، أما هؤلاء الذين هم من الغرارة بحيث يصدقون كل ما يقال، فإنهم نوع من القراء، تنكسر خزانة نفسه بواسطة “طفَّاشة” اللص، بأيسر مما تستجيب ل”مفتاح” صاحب البيت.

 دعنى – عزيزى القارئ – أكن أكثر صراحة، فأقول لك إننى لم أجد للشعر إلا ما وجده “ابن حمْدِيس الصقلِّى”حين قال:

 ووجدتُ علمَ الشعر أخفىَ من هوًى لم تـُفـشِهِ عينٌ لعيْن رقيبِ.

أو هو ما يقوله أمير الشعراء:

يقول أُناسٌ لو وصفت لنا الهوي

لعل الذي لا يعرف الحب، يعرفُ

فقلتُ لقد ذقت الهوى ثم ذقتهُ

فو الله ما أدرى الهوى كيف يوصفُ

الشعرُ موهبة إلهية تُعطى لبعض من الناس، والواهب سبحانه جعلها فى الشعراء كأنها قدَرٌ محتوم، فلا يمكن إذن إخفاؤها، لأنها هدية إلى الوجدان الجمعى للناس، وهى لذلك قادرة بحكم مصدرها الأعلى أن تسكب أضواء السماء فى القلب الإنسانى بما لها من سطوة التأثير.. عظمة الشاعر الحقيقى إذن، تكمن فى قدرته على توصيل تجربته للمتلقى، فإذا هى قائمة فيه، يوشك أن يلامس مسارها وهى تسرى في ذاته العميقة وتخلق متعته الخاصة فيهتزهنا هزة الشعر، أو يسجد سجدته كما يقولون.

 الموهبة الكبيرة – عندى – هى مشكلة كبيرة لصاحبها، ولهذا فقد طالما صدقتُ أخى وزميلى الأثير الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف نائب رئيس مجمع اللغة العربية، يرحمه الله، فهو- كما أكد ذلك بعدُ في مقدمته لديوانه ” سنابل العُمر” يشقى بإعلان موهبته الشعرية، ثم هو يشقى بكتمانها أيضا “أشعر بالخجل، إذا عدّنى أحدٌ من الشعراء، وأشعرُ بالحزن والأسى، إذا لم أُعَدّ منهم” ولكن تلك الموهبة وإن تكن عذاب الشاعر الذى لا يفارق، تظلّ بلسماً حانيا لشقاءاته التى لا تفارق أيضا، ولذلك فإنها تحقق للشاعر متعتة المستمرة، ثم تظل تحقق تلك المتعة عند محبى الشعرالحقيقى، عبر القرون.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.