نبيلة يحياوي
اللوحة الفنانة الأميركية كارين كيزر
عادت ذاكرتها وهي تتمتم: لم يعد لنا نصيب في هذآ الوطن، ارهقتنا الحروب يا ولدي!
كانت ذاكرتها ضعيفة تسترجع ما تبقّى من نفحات الزمن الزهايمر لم يترك لها مجالا في أن تسرد بالتفاصيل مسيرة نضالها، تركب الأحداث عشوائيا، تارة تظنها في الماضي، وأخرى في الحاضر، وأحيانا تمر للمستقبل دون وقفات.
ينصت ابنها إليها وفي رأسه ضجيج الحراك الذي لا يتوقف، مضت سنوات عمره محاولا أن يجمع شتات ما تبقى من أمل ضائع، يفرك عينيه مخاطبا أمه: نحن نولد مرة ونعيش مرة، ونموت مرة واحدة وكفى.
تغيّرُ والدته الحديث: ألن تجعل لنفسك بيتا وتكون أسرة؟
يقهقه ويقوم، الوطن لا يحتاج أطفالا، ينحنون من أجل كسرة خبزٍ، ويموتون في أروقة ضيقة.
أين هي زوجتك؟ ألن تشاركنا الحديث.. أعتقد أنها تريد أولادا يا بنيّ!
يهمس لنفسه: إنه الزهايمر.. دعيني آخذك للطبيب يا أمي أنا لم أتزوج بعد.
تصرخ قائلة: أعتقد أنك تناولت الأفيون، أنت تشبه فرنسا اللعينة ماذا تصنع هنا؟ هل سيرث أولادك هذا الجبن منك، سأصنع منك رجلا كمآ كان والدك يحدثك.
كانت قطرات رذاذ المطر لازالت تنفذ من السقف الهشّ، أسند رأسه على كتف والدته، في زحمة الذاكرة المهترئة في النسيان، بعد مسافات القلوب بعد ضجيج الطرق، ينتظران إطلالة الحرية بوجه آخر، ذاك الأوان والأنا في صمت لم يبرحا المكان.
موسيقى المطر تحدث نوتات حزينة، لم يسعه إلا أن يستسلم لحلم فريد، بينما والدته لازالت تتمتم عشوائيا أحداثا من حياتها الطويلة، تبتسم قائلة: انهض يا ولدي، لازال المستعمر يزرع بذور الأفيون، والبعض منا يحصده.