مصطفى البلكي
اللوحة: الفنان الأكراني دانييل فولكوف
بإشارة من يد (س)، وقفوا، حينما اقتربوا من الباب، ثم راح يخطب فيهم: في كل التاريخ السابق، لم يدون فيه ما نحن نعتزم فعله، فكونوا بأنفسكم واثقين، ويجب أن نختار فريقاً منا يمثلنا حتي لا نفترق.
تقدم (ص)، وقال:
ـ اخترناك متحدثاً رسميا عنا.
ضحك وقال.
ـ وأنا اخترتك معي..
وافق الجميع على ذلك التفويض، وتحركوا محافظين علي قوة الصوت، وقوة الكلمات، والتلويح بالسلال الفارغة. وحينما أصبحوا أمام الباب، وشافوا صفوف الجنود، ضربتهم نيران الغضب وأصبحت الهتافات قوية، فلما اقتربوا أكثر، سد الحرس فتحة الباب، فارتفع هديرهم، فاضطروهم إلي التراجع.
خرج أحد ساكنى القصر من الداخل في أبهى منظر، يدق الأرض بعصاه، من حوله بعض رجال الدولة، في اللحظة التى شعر فيها أنه يحافظ علي مسافة بينه وبينهم، وقف، فتطلعت إليه وجوه الجماهير، فوقفوا على وجهه السمين، الجارية فيه الدماء، والملابس الثمينة والنظيفة، لمح هو تلك النظرات، فامتلأ غيظا وصرخ فيهم:
ـ ليس بهذه الطريقة يتم دخول القصر.
سمعوا، وهتفوا:
“افتح قلبك لي، وأنصت جيدا لحقوقي”
ارتبك الرجل، فتقدم منه (س، ص) فسكت العمال، وراحوا يراقبونهما وهما يقتربان من رجل القصر. قدما له التحية، ووقفا أمامه، وخاطبه (س) قائلاً:
ـ وصلتك مطالبنا؟
ـ علمت بها.
رده جعل (ص) يصرخ:
ـ ما دام الأمر كذلك فالحل عندك.
ـ إذا كان هناك فائض.
ـ إلى متى؟
ـ إلى أن يأتي المزيد.
جملة ألهبت قلوب العمال، وأشعلت النار في أفواههم، فرددوا شعارهم، ولوحوا في نفس الوقت بالسلال الفارغة، من هول المنظر تراجع رجل القصر، ومع استمرار الهتاف، شرع في الاقتراب من رجاله، الذين راحوا يحرضونه علي التحرك، وأن يدع الجنود القريبين، يتصدون للعمال، خطة فطن لها (س، ص)، فصرخا بكل عزمهما:
ـ لن نبرح أماكننا إلا إذا أخذنا رواتبنا، مع وعد بعدم تكرار ما حدث.
انزعج الرجل وقال:
ـ هذا عصيان.
ـ بل إضراب.
قالها س، فرددها خلفه العمال.
ـ إضراب.. إضراب.. إضراب.
الكلمة أحدثت عاصفة من الانزعاج حطت علي وجوه الرجل وحاشيته، وكأنه لم يفهم الكلمة، مما أضطره إلي أن يسأل:
ـ ماذا تقول؟
ضحك س، وقال:
ـ الكلمة واضحة، إضراب، تعني الامتناع عن العمل بسبب ظلم وقع علينا، نعود إذا رفع.
هز الرجل رأسه، وقال:
ـ الامتناع عن العمل جريمة، وليس كما تقولون، وهذا الفعل ليس له سابقة في سير الأولين، وهذا إنذار، إذا لم تعودوا إلي أعمالكم، فسوف نعتبركم خارجين علي القانون.
مرة أخري استفزهم، فهتفوا.
“افتح قلبك لي، وأنصت جيدا لحقوقي”
تحرك الرجل ومعه الحاشية، بعد أن قال:
ـ سوف أنظر في الموضوع.
فلما طال الوقت، لم يكن أمامهم إلا العودة إلي الهتاف، فعادوا إليه بعزيمة قوية، فحركت الكلمات سكون ما كان يجرى بالداخل، فخرج أحد رجال الحاشية، وطلب (س) ليتم للتفاوض معه.
وهو يمضى بجوار الرجل، كان شامخاً برأسه، ظل هذا الشعور مسيطراً عليه حتى دخل علي رجل القصر، كان في كامل حلته، يأخذ مكانه وسط رجاله، قدم (س) له التحية الواجبة، وسكت، فقال الرجل:
ـ هنا يمكننا أن نتحدث سوياً بحرية، بعيداً عن صياح ضعاف العقول..
الجملة الأخيرة، حركت الدماء في عروقه، فكان لا بد أن يستجيب لها، فقال بصوت ثوري:
ـ بل هم أصحاب حقوق.
ضحك الكاهن وقال:
ـ يبدو أنك مخلص لهم.
أفهمه أنه أكبرهم، وأنهم جاءوا وهو فى العمل، فشربوا أصوله منه.
ـ منذ زمن وأنت فى دولاب الدولة؟
ـ صغيراً جئت، في زمن كان الخير فيه كثير، شاركت في تصوير فترة من التاريخ كانت قوتنا قد ثبتت في البلاد التي تجاورنا، فكانت بلدنا مثل وهج الشمس الغامرة، وها أنا أعيش وأقف علي ما وصلنا إليه، أصبحنا نشبه لحد كبير زهرة اللوتس التي لا تستجيب لسطوع الشمس الحاد، تحني هامتها، نحن هكذا، الجزء الجميل فينا تحاولون الآن إخماده، قوتنا الناعمة يا سادة تكمن في العمال والفن الذى يخرج من بين أناملهم.
ووقف عن الكلام، بعد أن شعر أنه قد يدفع إلي كلام قد يُحاسب عليه، ومن جانب آخر يعطي الفرصة للرجل كى يتكلم:
ـ لكل فترة نكهتها.
قال سيد القصر، فرد عليه (س):
ـ نحن الذين نضفى النكهة بما نفعل.
ضجت القاعة من كلام (س) الأخير، وبدأ الهمس بين الحاشية، إشارة تقول له إنه انحرف بعيداً عن مسار القضية، فكان لا بد أن يوضح لهم أن الكلام وثيق الصلة بما يحدث، ولولا الضعف الذى بدأ يضرب جذور كل شىء، ما كانت لتقطع الرواتب عن العمال، لأول مرة في التاريخ، ويفقدون امتيازات كانت لهم بحكم تفردهم..
ولما رأى الرجل قوة كلامه، أراد أن يستميله، فقال:
ـ يمكننا أن نمنحك امتيازات، نزيد راتبك مثلاً.
ـ والمقابل؟
ـ تساعدنا حتى تمر الأزمة.
ـ هذا ما أريده.
نظر الرجل إلي حاشيته وقال:
ـ الم أقل لكم إنه العاقل الوحيد فيهم الذى يجب أن نتحدث إليه..
رد وهو ينظر إلي أحد الأعمدة:
ـ وكيف أساعدكم؟
ـ بإقناعهم بما نريد.
ـ وما هو؟
ـ أن يتم إنهاء تلك الحركة التي تسمونها إضراب، وتعودون إلي أماكن عملكم. لأنه لو بقي هذا الوضع ثابتا فالضرر سوف يلحق بعموم الدولة، لأنها سابقة خطيرة.
ـ أنتم لا تعلمون شيئاً عن العمال، ولا عن فنهم والأعمال التي يقومون بها، أنظروا إلي ذلك العمود، وشاهدوا فلسفة الرسام حينما رسم الوجه ملتفتا إلي جانب، عرف أن النقل لا ينتج فنا، بل الرؤية هي التي تفعل ذلك و..
يقاطعه الرجل معترضاً:
ـ أنت بهذا تخرجنا عن الموضوع.
ـ بل أنا أتكلم في صميم الموضوع، لتفهموا الأرواح التي تريدون المساومة عليها.
وما إن انتهي من جملته حتى اندلعت النداءات وتصاعدت، واخترقت جدران القصر ووصلت إلي حجرة المفاوضات، فسكتوا ليدخلوا فى استراحة جعلت (س) يقف علي الرعب وهو يحط علي وجوههم، حالة أخبرته أن لصوت الجماهير الغفيرة قوة يمكنها إذا انطلقت من أرض صلدة، يكون لها قوة تفوق قوة جيش مسلح.
وبعد أن هدأت الأصوات، نظر إلي الوجوه الممتقعة بالرعب، فعرف أنهم في طريقهم لكسر الطوق، وما تشبث الرجل ورفاقه إلا حلاوة روح.
وكانت أولي الحلقات التي انكسرت، حينما رأى الغضب يعصف بالرجل، ويدفعه إلى أن يقول:
ـ ليس أمامك إلا حل واحد.
ـ ما هو؟
ـ أن تخرج إليهم وتجعلهم يعودون إلي العمل، مع وعد بتدبير رواتبكم.
ضحك وكانت عيناه ما زالتا تنظران إلي العمود، فأشار إليه، وبدأ يقرأ:
لم أظلم الفقراء لم أفرض على رجل أكثر مما فرضه علي نفسه..
لم أهمل، ولم ارتكب إثما.
ولم أمت أحداً من الجوع.
ولم أبك أحداً.
ولم أقتل أحداً..
أنا طاهر..
أنا طاهر..
أنتهي، وخرج بالعرض إلي الجموع المنتظرة، وهو يفكر:
“أنا أعرف لعبته، هو يريد تهدأت نفوس العمال لأيام تأتى، بغرض إسكاتهم حتى لا يصل صوتهم لخارج الحدود، خطط، ونسى أن السنوات التي أتوكأ عليها، ستقف سدا بينه وبين ما يريده، ما أعجبه من زمن”.
يسكت صوت نفسه، ويستجمع قواه، يجعلها في حزمة واحدة، مستدعيا ما عاشه، وتحديدا سنوات الرقى، وقت أن كانت الحاجيات متوفرة، جنبا إلي جنب مع كلمات التشجيع التى كانت تأتى من سلف الرجل، كلمات كانت تترك أثرها في النفوس، فتمنح أفضل ما عندها. ذكريات تجعله، يحجم من اتساع خطواته، حتى يعيش في واقع عاشه فأحبه.
وحينما عاد (س) المفاوضات، كانت عودة يساندها ما سمعه، وجده مهيئاً أكثر للحوار، وظهر هذا جلياً حينما قال:
ـ البلد كما تعلم، دخلت في عدة حروب، سنوات والمجهود كله موجه إلي إعداد الجيش، أنا أقول ذلك لا لكى ابرر ما نحن بصدد مناقشته، هذا لا أقصده، لكن لتعرف أن تلك الحالة حالة عامة، هنا وفى كل مكان.
وساد صمت، كأنه يختبر وقع ما قال على (س)، ورأى أنه أفضل رد يكمن في دحض ما قال:
ـ الحروب مضى عليها الكثير من السنينً، ومن غير المعقول أن تكون لها تبعات حتى الآن، خصوصاً أننا تحولنا من حالة الهجوم إلي حالة الدفاع، وهذا الوضع لا يكلفنا الكثير.
وصل للرجل ما لمح إليه (س)، فعرف أن كل الأبواب موصدة، فقال:
ـ اسمع لا يمكننا في الوقت الحاضر إلا دفع نصف الرواتب، والنصف الأخر بعد أيام.
اتفاق ما كان ليرفضه العجوز.
خرج، وأخبر الجميع بالاتفاق، ففرحوا، وقالوا وفى الغد شمس تشرق، وعاد كل واحد منهم ومعه نصف راتبه، وتسربت الأغاني من البيوت، رمز الفرحة التي كادت أن تمضي بلا رجعة.