بثينة الدسوقي
اللوحة: الفنان السوري نذير نبعة
الاستعدادات الجارية تجعل كل من حولي مشغولاً كخط هاتف، وأنا معصوبة الرأس بطوق الورد، والسيدة تكحّل عينيّ، وترسم شفتيّ وتهدهد وجنتيّ بلون وردي.
البنات يضحكن ويتدللن، ينتفن شعيرات نافرة، وفريق من السيدات آخذات في تجميل الجميع، كلهن يتجملن ويجملن الأخريات، وكأنه معسكر تجميل وليس عرساً! وأمي تضحك..
انتشرت الزغاريد فجأة عندما فُتح الباب ودخلت إحداهن إلى جناح الفندق حاملة كيساً ضخماً معتماً، تظهر من أطرافه حبات اللؤلؤ معلنة وصول ثوب الزفاف.
الوقت ظهراً، والعريس يتجمل هو الآخر في مكان ما لا أعرف أين هو، لكني أتبادل معه قبلات ووردات إلكترونية عبر الهاتف كلما كان متاحاً، صمم أبي أن يكون الجميع جوار مكان العُرس، منح مالاً كثيراً لتحتل عائلتنا والأصدقاء حيزاً كبيراً من فندق كثرت نجماته.
سألته قبل أن يفعل: هل أنا قطر الندى يا حبيبي لتتكلف كل هذا؟ هل أنت سعيد لهذه الدرجة للخلاص من وجودي؟
كنت أتدلل لأسمع نفيه وأسعد، وبالطبع أعرف الإجابة التي لم يقلها، بل اكتفى بقبلة طويلة على جبيني.
أما هي، أم العروس كما طلبت من الجميع مناداتها في هذا اليوم فقد كانت كالفراشة، كوني ابنة وحيدة جعل يوم العُرس حلمها الوحيد منذ عام أو يزيد، بل أبعد قليلاً، منذ أن دق الحب باب قلبي الصغير فبُحت لها قبل أن أبوح لنفسي، لحظتها مسحت دمعة فرت إلى وجنتها وتركت روحي في حضنها العميق، وسمعت دقات قلبها وكأنها تستعيد العشق، كنت أعرف جيداً كل ما حدث، أعرف أنه لم يكن هناك عُرس لها، أمي الجميلة، هل أخبرها الآن أني كنت هناك؟
فكرت كثيراً في هذه المسألة وأرّقتني ولكني لم أجرؤ على إثارة فزعها.
فُتح الباب ثانية ودخل والدي في بزته الأنيقة، يضع وردتين في جيب سترته، ويلمع بياض شعر فوديه فيجعله أشبه بنجوم السينما، ذهبت إليه أمي من فورها وتأبطت ذراعه وكأنما لتعلن للسيدات أن هذا الرجل لها فلا يطمعن، كنت أحب عشقهما المتزايد يوماً بعد يوم، وأعرف في قرارة نفسي أني لن أصل وزوجي لهذا القدر أبداً.
أمي تقول أن لا، وأني سأصل لهذا المدى البعيد وأكثر إن أخلصت، ولكني أرد بأن الزمن يحيل حبنا لأشياء أوتوماتيكية، يقتله بطيئاً وأن جل ما أفعله هو محاربة غزو التكنولوجيا لحبي، وتضحك أمي.
أعلن أبي وصول العريس ورفاقه، وأعلن أن حديقة الفندق على استعداد لاستقبالي، بحث عني بعينيه حتى وجدني بفستاني الأبيض أحاول جمع أطرافه بيدي لأذهب وأقبّله، فأسرع إلي واحتضنني، كنا على وشك الذهاب فاستأذنت للحظة، وفتحت صندوقاً صغيراً وضعته بعناية على طاولة التزيين.
لمعت عيناها عندما امتدت يدي لتُخرج الباقة الجافة الملفوفة بعناية شديدة، أشعر أنها تعرفت عليها، باقة ورد عُرس أمي الذي لم يكن كما تتمنى لنفسها، نظرت إلي أمي طويلاً، تساءلت بعينيها فهمست لها: أجل كنت هناك، لا أعرف كيف حدث هذا، لا أعرف من أين أتيت وكيف ذهبت.
لم تحتمل أمي، جذبتني من يدي بعيداً عن أبي المدهوش وهو يرى باقة ورد جافة في يدي! أبي كعادة الرجال لم يتعرّف على باقة أهداها لحبيبته يوم عُرسه!
أمي تتساءل..
وأنا أتحدث إليها دون كلام..
“أمي، حبيبتي، لقد كنت معك، أجل كنت معك، لم يأت أباكِ يوم عُرسك ليعلن غضبه على عصيانك، وغاب معظم الأهل خوفاً من بطشه، ولكني كنت هناك، شهدت فرحتك وحزنك، ورقة حال أبي حينذاك، آخر جنيهات بحوزته تحولت لباقة ورد أتى بها إليك، أما أنا فقد أتيت من العدم في رداء أبيض صغير – ربما حاكته لي الجنيّات – ووقفت بين صديقاتك اللاتي لم يكن هناك غيرهن لألتقط باقة الورد وأهرب إلى المجهول..”.
سألني حبيبي وهو يتناول يدي ويُقبّلها: هل يمكن أن تحملي باقة الورد التي انتقيناها سوياً بدلاً من الباقة العتيقة؛ ستذوب في الهواء قبل أن تتلقفها صديقاتك!
تناولت أمي باقتها باكية من السعادة، والتفت لأرى الصديقات يتضاحكن في انتظار اختطاف فرحة مرتقبة، بينما عيناي تبحث عن روح صغيرة لابنتي برداء أبيض! لم أجدها بالطبع؛ لقد انتقينا الباقة من موقع شهير على الإنترنت بحضور أهلينا وزغاريدهم، تحيطني السعادة والرضا، بينما أمي لم يكن لها إلا باقة الورد، وأنا..