جروح تنزف في الذاكرة

جروح تنزف في الذاكرة

أمل بشير

اللوحة: الفنانة السورية لبنى ياسين

تقلبت على ذاك الفراش وحيدة من جديد، كان الليل صديقها الذي لم تحب صداقته يوما ولكنه لم يتركها، كان دوما موجودا بداخلها لا تستطيع حتى أشعة شمس الصباح أن تتغلب على ظلمته أو تطوي وحدته، فقد كان دوما قرينا لها يبقى قابعا بداخلها ينتظر غياب الشمس ليخرج فيراه الجميع، فلا يعلم أحد أنه يحيا بداخلها وان قلبها منزله وروحها بستانه.

أمسكت بطرف وسادتها تعتصرها، وتصارع تلك الدموع التي حاولت جاهدة أن تفر من خلف أسوار عينيها فتتحرر، سحبت غطاء الفراش علها تختفي تحته فتصبح شيئا غير مرئي، تتحول لكائن لا يضطر لحمل الهم أو احتمال الألم، عله يحملها في رحلة لبعد آخر أو فضاء بعيد.

لم تدرك هل تشعر بألم الحزن أو وجع المغص؟ هل هي أفكارها التي تعتصرها بحركة لولبية تفتتها تماما فتتبدد في الهواء وتتلاشى لتتركها غارقة في لا وعيها الذي كانت تلوذ به فتنسى؟

نعم كانت تفضل تلك الغيبوبة، كانت خيارها؛ لتدفن فيها كل الرغبات التي لطالما كان عيبا كبيرا أن تعبر عنها، فهي زوجة تشارك زوجها الفراش، وليس بالضرورة أن تتشاركه معه، خصوصاً إذا أحست أنها مجرد وعاء لقضاء رغبته.

سنوات طويلة وهي تمثل دورها بإتقان، وتتلوى بعد أن تنهي المسرحية ليبتلعها الحرمان ويمضغها بين أنيابه، ويلقي بالبقايا على قارعة النسيان، فهي منسية تماما، لا أحد يشعر ولا يسأل ولا يهتم، ثم تشرق شمس الصباح لتعلن أنها قد أنهت أحد أدوارها الليلية، وعليها الآن أن تلعب ذلك الدور النهاري كأم و ربة منزل، كخادمة وموظفة، وفي الليل مجرد غانية للرجل الذي يمتلك حقوق الزوجية، ويعود الصباح فتغتسل من ذنبها لتكون راهبة بألف دور يطوي معه كل الأشياء التي لا يجدر ذكرها أو التنفيس عنها، بل يجب أن تدفن في مكان بعيد لا يصل إليه المتلصصون، لكن تلك المشاعر الملتهبة جوعا، لها رائحة تشتمها الكلاب الضالة التي تحاول أن تخرجها من ذلك الكيس الضيق لتلتهمها كأنها قطعة لحم شهية مخفية عن الأنظار. 

تذكرت قول أمها: “أن الفتاة كقطعة الحلوى الشهية، الملفوفة بعناية لتجذب الراغبين فيها، وعليها أن تظل بعيدة المنال لتبقى مرغوبة  يسعى الجميع لامتلاكها”، تذكر ذلك كأنه الأمس، حين كانت تخبرها أن الفتاة لا يحب أن تتمدد وأخوها أو أبوها موجود، عيب أن تتحدث بصوت عال، عيب أن ترغب بالرجال، عيب أن يخفق قلبها سوى لضخ الدم، عيب أن تفكر أو تعتقد أنها تملك أي قرار، ولكنها غفلت أن تخبرها أن الأنثى لا يمكن أن تكتسب أي حق مهما علا شأنها، أو زاد فهمها، أو تقدمت في العمر، نسيت أو غفلت أن تذكر أن الأنثى تبقى في جلد تلك الفتاة الصغيرة الملطخ بالعيب منذ أن تولد إلى أن توارى تحت التراب، لا تستطيع خلعه مهما ضاق عليها وإلا رآها الجميع عارية مكشوفة سافرة، ينفر منها المجتمع، ويتبرأ منها حتى أقرب الناس إليها.

وها هي اليوم في الأربعين من العمر بلا حياة، بلا مشاعر، بلا أحاسيس، هي اليوم مجرد أداة لإمتاع الزوج، دمية امتلكها يوم اشتراها بمهره من أهلها؛ لتظل دميته بعقد نكاح لا تملك حق فسخه أو تمزيقه، فهي السلعة فيه،

ولا تملك الشاة أن ترفض بيعها أو امتلاكها.

عادت بالذاكرة لأيام بعيدة بل سنوات بعيدة، تذكر ذلك اليوم بتفاصيله، حتى الروائح فيه حركت رأسها، اشتمت رائحة الصابون المختلطة بعطره، وبخور رغبته التي لم يستطع أن يكبحها فاشعلت حريقا بروحها ما استطاعت يوما أن تطفئه أو تخفي آثار ندبه، لطالما شعرت بنظرات الذئب المتلصص تتربص بها، لم تكن لصغر سنها وقلة خبرتها تعلم ما سبب عدم الارتياح الذي تشعر به، فرغم كل الكلمات المطمئنة التي كانت تسمعها عنه، لم تشعر بأي ذرة من الأمان بقربه، كانت تشعر أنه يخبئ لها ما لا يعلمه سواه، إلى أن تهجم عليها ذلك اليوم بينما كانت تهم بالاستحمام، وجدت نفسها بين أحضان لم تدرك ما ستفعله بها، قاومته بكل قوتها، لكنه القوي العنيف يمارس كل عنفوانه لإخضاعها، يحاول اغتصاب حقها بأن تختار من له الحق بتقبيلها أو لمسها أو كشف ما غطته دوما عن عيون الآخرين. 

ارتعدت لتلك الذكرى، فرغم كل السنوات بقيت ترتجف كالمحمومة كلما طافت بخاطرها، حدقت للسقف ومسحت دمعة فرت من عينها حين تذكرت كيف عانت وحيدة في صمت، لم تجرؤ يوما على رفع الستار عما حدث لها في ذلك اليوم، ولم تنس كلماته حين أخبرها أنها بخير، وأنها مازالت عذراء، لم تفهم ولكنه أيضا لم يفهم أنه فض براءتها، ودمر ما هو أعظم، دمر تلك اللحظة الجميلة التي قد تكون حلم أي فتاة حين يغلق عليها باب مع حبيب اختاره قلبها، فارس أحلام تمنت دائماً أن تكون له ويكون لها، وتعيش معه ما لم تعشه من قبل، تسلمه مفتاح أسوارها ليقتحمها وهي راضية.

ما زالت تشعر بالألم يعتصر قلبها، وما زالت الكدمات تملأ روحها، بعض الجراح الغائرة تبقى، وتصيبنا بتلف لا يمكن إصلاحه، وندبات القلوب والأرواح لطالما بقيت لا تبرأ، رغم مرور السنوات، ما زالت تلك الأحداث محبوسة خلف ذلك الباب في الحمام القديم، ما زالت تصاب بالغثيان كلما زارت جدتها ورأته، تشعر أن روحها قد دفنت في ذلك اليوم، وان براءتها قد سكبت مع قطرات الماء التي حاولت أن تغسل بها رائحته واثاره عن جسدها، ما الذي يمكن أن يغسلها؟ بعض الذكريات تعلق بأرواحنا للأبد فلا ننساها، النار التي اشعلها بقلبها ذلك اليوم وتلك الغصة بصدرها لن تتركها، من يطفئ تلك النار التي اشتعلت بروحها؟ من يعيد لقلبها إحساس الأمان الذي خسرته في تلك الليلة؟ من يسمع تلك الطفلة التي تنتظر من تبكي على صدره حين تقص روايتها لتلقي بذلك الحمل عن قلبها، من يستطيع أن يزيل تلك المرارة عنها، ويخبرها انها لم تعد تحمل أيًا من آثارها إلى الأبد؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.