اللوحة: الفنانة السعودية ليلى مال الله
أراقبه يوميا من شرفة غرفتي وهو يتسلل وحيدا تحت جنح الظلام ثم يهرول مسرعا وعيونه تلاحق ضوء القمر، لا يسترعى انتباه أحد رغم زحام المكان، يخفي عينيه خلف نظارة سوداء ملتفحا برداء أزرق نادرا ما استبدله، وفى يده أوراق بيضاء ومحبرة، ويظل جالسا على صخرة العشاق يدون أشعاره حتى تبزغ الخيوط الأولى من الصباح، سألت عنه فعلمت أنه يسكن في شارع مجاور وأنه يلقب بـ «الشاعر الصامت»، وأن أشعاره تنشر فى الصحف منذ أعوام، وأنها تلقى رواجا طيبا بين المثقفين.
ذهبت لإحدى دور النشر وكانت المرة الأولى في حياتي، التقطت يدي ديوان له باسم «زمن الفرسان» فوجدت أشعاره تعزف سيمفونية جميلة من المشاعر والأحاسيس، وكلماته مثل نهر من الحنان ينفجر فيروي عطش العاشقين، وبينما عباراته دافئة مثل الشمس التى تسطع فى يوم ترتعد فيه الأجساد من البرد، كان صامتا حزينا، نادرا ما وجدته يتحدث مع أحد، دفعنى هذا الشخص المثير الغامض لمحاولة سبر أغواره، كنت اتساءل كيف لم يلحظ جمالي؟ فالكل يتغنى به، ويتمنى أي شاب أن أتحدث معه لو بكلمة واحدة، لماذا هو الرجل ربما الوحيد الذى لم يعجب بي؟.
كنت أشعر أن وراءه قصة مثيرة يدفعني فضولي لمعرفتها، ولكن كيف سأبادر بالحديث معه؟، أنا لم أفعلها من قبل، فقد اعتدت أن يطلبني الجميع ويسعون إليّ وينتظرون كلمة مني.. ترددت كثيرا أن اتحدث معه، كما فكرت فى الوسيلة أو المبرر الذى يجعل بيننا نقطة تلاقٍ فوجدت الموقف صعبا فصرفت النظر عنه، لكن كان دوما بداخلي رغبة بأن أعرف كل شىء عن هذا الجار الصامت.
لم أكن ممن يحضرون ندوات الشعر، ولم أكن أهتم بالقراءة بشكل عام، لكن صديقتي آمال كانت تعشق الشعر وتكتبه، وحدث أن دعتني ذات مرة لحضور مناقشة ديوانها الأول، وكانت المفاجأة حضور «الشاعر الحزين»، خفق قلبي وزادت نبضاته ربما للمرة الأولى منذ أن كنت فتاة تداعب نسائم الحب خصلات شعري، وفي وقت كنت أبحث فيه عن الهروب لأخفي ارتباكي تقدمت صديقتي وقدمتني لجاري الذى لا يعرفني، كانت كلماته قليلة معدودة، وكان لطيفا مبتسما خلاف مظهره الذى يشي بالحزن، فقد كانت عيناه حزينتين ذابلتين، وانصرف سريعا قبل انتهاء المناقشة دون أن أتمكن من تبادل الحديث معه، فشعرت بالحزن، فقد كان بداخلي رغبة أن يمنحني اهتمامه ولو للحظات، مثل اهتمامي به المدفون بأعماقي والذي لا أجد له تفسيرا..
سألت صديقتي عنه وعن رحيله المفاجئ، فقالت إنه شاعر رائع، وإنهم اعتادوا منه هذا التحول المفاجئ، فهو يبدو رقيقا لطيفا ثم فجأة يذهب ويختفي دون مقدمات، ودون أن يخبر أحدا عن السبب، وأضافت أنه يملك أحساسا نادرا قلما يوجد في رجل، فقاطعتها بلهفة لسماع المزيد عن حكايته، فسألتني صديقتي: «ما سر اهتمامك به؟»، فأجابتها بخجل: «هو جاري ولكنه لا يعرفني، وقد جذب انتباهي بشخصيته الصامتة الحزينة؟». فابتسمت قائلة: «للمرة الأولى منذ صداقتنا التى ترجع لسنوات أراك معجبة بشخص، فى كل مرة كنت تحكي لي عن معجبيك وعشاقك وكنا نتهكم على بعضهم».
وجدتني فى موقف المدافع عن نفسى للمرة الأولى فلم يهزمني الإحساس يوما، ولم يخترق الحب قلبي، ويبدو أن كبريائي منعني من إكمال الحديث، فاعتذرت لصديقتى لرغبتي فى الرحيل خشية التأخر فى العودة للمنزل لزحام الطريق، هرولت سريعا نحو سيارتي، وانطلقت مسرعة وفي عقلي رغبة بألا اتحدث مع صديقتي عن «الشاعر الحزين» مرة أخرى، بينما كان في قلبي حنين لكي يجمعني القدر به مرة أخرى، كان السؤال الذى يشغل تفكيري، ولا أجد له إجابة لماذا هذا الرجل رغم أن كثيرين ينتظرون مني كلمة؟.
مرت أيام وعيناي تطاردان نافذة غرفتي لكنني كنت أقاوم رغبتى فى رؤيته وهو يمر فى موعده، فقد عزمت أن أحاول نسيانه، لكن القدر أصر أن يجمعنا للمرة الثانية، ذات مرة كنت انتظر خروج ابنتي من مدرستها، وساورني القلق بعدما تأخرت فى الخروج فى موعدها فاشتعلت نيران القلق بقلبي على فلذة كبدي التى تركها والدها ورحل فى ريعان شبابه، لأصبح بعدها مطمعا لأغلب الرجال، هرولت مسرعة نحو باب المدرسة لاستفسر عن سبب تأخر ابنتي فطلبت مني المشرفة الانتظار دقائق حتى انتهاء عمل لجنة تفتيش، جلست في السيارة فالتقطت أذني كلمات أغنية «مشيت على الأشواك» التي أثارت شجوني ودغدغت مشاعري، التفت إلى السيارة المجاورة لأشاهد من يشاركني عشقي للعندليب، فوجدته جارى.. تخيلت للحظات أننى أحلم أو أعيش تفاصيل قصة محبوكة بحرفية، فلا يمكن أن التقيه مرتين دون أي ترتيب.. وما إن التقت عيوننا حتى فوجئت به يترجل من سيارته ويتجه نحوي، صافحنى واعتذر عن رحيله من حفل ديوان صديقتي بشكل مفاجئ بعد أن تلقى خبر مرض ابنته التى علمت منه أنها طالبة بنفس المدرسة التى تدرس بها ابنتي، واستمر بنا الحديث حتى خرجت الزهرتان الجميلتان من المدرسة وذهب كل منا في طريقه.
زادت حيرتي بشأن هذا الشاعر الذى يتناقض حديثه الودود مع شخصيته المنعزلة، عزمت أن أحطم قيود صمته فذهبت لصخرة العشاق حيث كان يجلس دوما، القيت عليه السلام فصافحني بحرارة، وبدأت أحدثه عن إعجابي بأشعاره الجميلة فلاحظت تواضعه الشديد، طالبته بأن يقص عليّ حكايته وأسباب وحدته والحزن الذى يغلف كلماته، فقال: «توفيت زوجتى منذ ثلاثة أعوام بعد مرض طويل وتركت لي ابنتي التي وهبتها حياتي، ونسجت من خيوط الأمل أحلاما لأسعدها، ثم ابتليت مجددا بمرض ابنتي فتعمقت جراحي، لكنى صابر وراض بقدري، وأواصل حياتي لكي تبصر زهرتي البريئة النور وتتفتح فى بستان الحياة».
قلت له: «ألم تفكر يوما في الزواج، فأنت تحتاج إلى زوجة تكن لك حضنا دافئا، وتساعدك على رعاية ابنتك»، فرد بحسم: «لن يكون هناك من يحب ابنتي أكثر مني، ومهما أظهرت الزوجة الجديدة من محبة، فتفاصيل الحياة وصعوبتها كفيلة أن تبدل الرحمة المؤقتة إلى قسوة، فنحن فى زمن ماتت فيه أخلاق الفرسان»، نصحته بأن يعيد تفكيره فقال إنه طالما على قيد الحياة لن تكون هناك أم بديلة لابنته، ثم طالبني بأن أقص عليه حكايتي، فقلت له إنها لا تختلف كثيرا عن حكايته، ولكنى أحلم يوما بأن أعثر على «فارس نبيل»، كنت انتظر منه كلمة تمنحني أملاً بأنه سيغير موقفه، لكن صمته كان أبلغ من أي رد، صافحته وانصرفت، وأدركت بالفعل أننى خسرت فارسا من الزمن الجميل.