أحمد فضل شبلول
اللوحة: الفنان العراقي علي حسين الصالحي
من أيِّ مكانٍ ستطلُّ عليَّ الآن..؟
من أيِّ الأركانِ إذنْ ستجيء..؟
هذا الشباكُ المفتوحُ سوادًا
لن يتقبَّلَ منك الأحزانْ ..
هذا الكرسيُّ المنكفئُ على وجه الدنيا
لن تصلَ إليه الأبدانْ
أبكيكَ .. !
ألستَ العارفَ عن عمري
أكثرَ مني .. ؟
أكثرَ من حبَّات الرملِ على الشطآن ..؟
أتذكَّرُ لحظةَ أنْ كنَّا ..
نخرجُ للبحرِ وللأعيادْ
تلك البالونةُ ..
أهٍ لو أركبُها وأطير ..!
كنتُ أغيِّرُ وجهَ العالمِ
أحكمه بقصيدةِ شعرٍ
ورغيفِ حنانْ
من أيِّ مكانٍ ستطلُّ عليَّ الآن
من أيِّ الأركانْ ..؟
كان رصيفُ البحرِ ..
وكانَ الفلُّ ..
وكانَ الوردُ ..
وشقشقةُ الفجرِ ..
لنا
كانَ العصفورُ يحطُّ على كتفينا
ويزقزقُ للأسماكِ
فتصحو
تجري فوق الماءِ
تنادي الأعشابَ
وتدخلُ بيتَ عروسِ البحرِ
وتخرجُ ..
تجلسُ في كفيكَ الحانيتينِ ..
تهدهدها ..
ونسير
أتأبَّطُ بسمةَ عينيكَ
نحاذي الأنجمَ والأمواجَ
تحدثني عن حلمِ البشريَّةِ
في القرنِ المقبلْ
وتوجِّهُني ناحيةَ “أبي العباس المرسيِّ”
نسيرُ ..
وندخلُ في الأمطارِ،
وفي العاصفةِ،
وفي البرقِ
وندخلُ في الرعدِ
وفي السحْبِ
ونصلُ إلى المريخ
تتبعنا الأقمارُ
فنصبحُ شمسينِ
نحدِّقُ في دورانِ الكون
وفي ملكوتِ اللهِ
ونجلسُ فوق شعاعِ الإيمانْ
في الأفْقِ يرفرفُ طائرْ
يتهاوى بين الجرحِ
وبين دمائي
بين اليتمِ
وبين سمائي
في البحرِ تغوص الأعلامُ
تضيعُ الأسماءُ
فتنقذها
وتجفِّفُها
وتقبِّلُها
وتحمِّلني ما في وسع الطاقةِ
تدعو لي
تتقدَّمُني
تعلنُ أني
ربَّانَ الفلك
وربَّانَ الأيام
من أيِّ مكانٍ ستطلُّ عليَّ الآن ..
من أيِّ الأركان ..؟
خذْني ..
أتعرَّفُ معكَ ..
على أوَّلِ قطرة دمعٍ
تذرفُها العينان
أوَّلِ حرفٍ تتلوهُ الروحُ من القرآن
ها أنذا
أقفُ ..
وأمسكُ أزهارَ الجثمان
ليس سوادُ الوجهِ يعكِّرُ ماءَ الأحلام
خذْني ..
أوَّل أشيائي أنتَ
وأوَّلُ أسمائي أنتَ
وأوَّلُ أشعاري كان الصمتَ
وكان …
وكنتُ …
وكنتَ …
وكنتَ الداخلَ بالفاكهةِ
وبالتعبِ اليومي
بالضحكةِ فوق الشفتينِ الصادقتينِ
وبالهمسةِ عند هبوطِ الليلِ
وبالْبَرَكَةْ
تزدادُ المنحنياتُ على وجهِ المنزل
وتكرُّ الأزمانُ على جبهتك الصلبة
تتقاطعُ في راحتِكَ اليُمنى ..
كلُّ خطوطِ العمرِ
وفي راحتِكَ اليسرى ..
تتسابقُ أمواجُ الموتِ
وتنطفئُ شموعُ القلبِ
لكنك ..
تزرعُ في الغرفِ الباردةِ
شموسًا
وقناديلْ
.. تفتحُ صدرَكَ للمحرومينَ
ولِلْعَجَزَةْ
كيف أقولُ وأكتبها ..
.. “كنتَ” ..
فأنت معي ما زلتَ
نناقشُ أسعارَ الخبزِ معًا
نسمعُ نشرةَ أخبارِ الثامنةِ ونصفِ
معًا
وأعدُّ الشايَ ..
أقلِّبُه بدعائي لكْ
بقصيدةِ شعرٍ
تترنَّمُ بخصالكْ
أنتَ معي ما زلتَ
تحاولُ إيقافَ نزيفِ الدم
ما زلتَ تحاولُ
تحريرَ النفسِ من النفس
وتقويضَ الظلم
أنتَ معي
ما زلتَ تحاولُ
رفعَ الأنقاضِ عن الوجهِ البشريِّ
وأنا ..
مازلتُ أحاولُ ترتيبَ العالمِ
داخل شعري
بعد رحيلك.