لحن الخلود

لحن الخلود

نبيلة يحياوي

اللوحة: الفنان الأميركي إيثان هوكسترا

كانت السماء تمطر ليلا، تأهبت لترسل خيوط الضباب واجتمع نفر من الناس هنا وهناك ليغتنموا فرصة اللقاء الأخير، كان كل واحد منهم يحمل مظلة تحميه من المطر إلا واحدا، مد يديه إلى السماء راغبا أن يبتلّ، نظر البعض، ثم الكل إليه، وبدأوا ينعتونه بالمجنون، لا أحد يتحمل وابل المطر ليلا دون أن يهرب منه.. الكل يحمل مظلة.. تمتم المجنون كما كانوا يزعمون: هل سيؤلمني هذا الميثاق الذي بيني وبينه؟ دعوني أستنشق كيف يتألم البعض إذن، أنت تلتف حول نفسك بملابسك الفارهة، وتعتمر قبعة حتى لا تلفح الشمس وجهك المشرق، دعوني اتذوق كيف يتألم من تصيبه رصاصة الحرب عندما تقذف السماء نارا، دعوني أصغي لدويّ المدافع عندما تلقي صواريخ تخترق هذه السماء التي تمطرني الآن، أنت في ركن هناك وأنا هنا، لن نلتقي ولن أسمع طلقة الألم الكبرى، عندما تموت البراءة تحت الدمار، دعوني إذن أسرد للآخرين كيف يتألم البعض في صمت في منافي بعيدة عن أوطانهم.. أنا هنا وأنت هناك.. بيننا شبر من تاريخ، من إنسانية، دعوني ألقي هذه المظلة اللعينة التي تحجب رذاذ المطر.. إن كانت ستصيب فؤادي ألما، أو تشق صدري كرصاصة الحرب، أو توقظ في نفسي شعورا بآدميتي، كيف يمكنني أن أعيد تاريخ وجودي قبل أن يوجدني هذا الفراغ الذي يكتسح الأغوار؟ أهكذا هي دساتير الحرب أن الذين يموتون لا يخشون، لا ينهزمون، يموتون ألف مرة.. يستقبلون الموت.. يهللون، يلتفون حول أنفسهم ببنادق لا تقتل جبروت العالم، أهكذا الموت تخشاهم؟ دعوني إذن أحدثكم أن الحرية هاهنا.. بين أيديكم.. المظلات لا تحميكم.. دعوني أستنشق هذا الرذاذ، لأنه لا يأتي دوما.. إنني أسمع نغمته وهو يتناغم نوتات وألحان تصدر صوت الأمان.. كلحن الخلود.. إنها هي، هي تلك التي لا نلتقي بها دوما.. حريتنا المفقودة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.