د.محمد جابر لطفي
اللوحة: الفنانة الجزائرية وفاء زهراوي
لطالما أسعدنى صوت طائر الكوكو وهو يتردد من خلالي، كنت أنتظر بشغف وأنا طفل صغير تحت الساعة القديمة أن يحين الوقت كى تنفرج ضلفتي الباب الخشبى الصغير ويظهر الطائر الحبيب إلى قلبى ليصدر تغريدا يماثل دقات الساعة، كنت أتخيله وهو جالس داخل بيته الخشبى يستعد للخروج حتى ينادينى. كنت أرقبه وهو يصيح فرحا ثم يرمينى بنظرة ساحرة وكأنه يقول انه لن ينسانى.
ومرت السنون الحلوة بكل مافيها من مرح الطفولة ولم أنس طائرى الخشبى ولم ينسانى. كبرت أنا وظل هو صغيرا شقيا يتفجر بالحيوية كل ساعة من الليل أو النهار يصيح ويصيح وأنا أسعد وأبتهج.
تعلمت أن أخرج إلى حديقة الدار قبل أن تبزغ شمس النهار لأتسمع إلى الصوت الحبيب كان صوت طائر الكوكو الحقيقى هذه المرة والذى كان يزورنى عند الشروق ليلقى بتحيته العطرة. دفعنى ذلك الصوت الجميل أن أقلده حتى أصبحت أجيده كنت أبادله صوتا بصوت وأدركت أن الطائر الفتان ينتظرنى لكى ألقى عليه تحية الصباح ولم أخذله يوما.
كانت أمى ترقبنى وأنا صغير ألهو مع الطائر الخشبى ثم أحببت أن ترانى أصدح كل صباح. وراق لأبى أن يطلق على عاشق الكوكو سعدت بهذا اللقب كثيرا وكان أخوتى يعلمون أنى أفعل أى شئ حتى ينادينى أحدهم بهذا الاسم.. لكنى لم أكن أعلم أن هذا الطائر برئ المظهر سوف يصبح لعنة تصيب جسدى وعقلى وروحى وأن ذلك الشيطان سوف يصاحبنى حتى فى أحلامى بعد أن يقتل أعز الناس إلى قلبى ليقف وحيدا يمد إلى أياديه الجهنميةو يطلب من أن أسلمه ماتبقى لى من رحيق الأمل.
تعاقبت الأيام كسحب محملة بالآمال كانت تهطل يوما فينتشى قلبى بما يتساقط من أحلام وكانت ظلا تمرح فيه روحى بعيدا عن شمس الحقيقة.
أحببت كما يحب بنو الإنسان وأصبح لى شريكة نسير سويا فى درب الحياة ومرت أيام وليالى حتى نبتت من حولنا زهرة رائعة الجمال كانت تحوى كل مباهج العمر.
كان كل مالدينا لا يكفى لكى نشترى به مايسعد تلك الزهرة ولم يعد لنا سوى أن نعرض الآمال والأحلام لمن يدفع الثمن وقد فعلناه فى رضا وإمتنان وأصبحنا نقتات على ماتلقيه تلك الزهرة من ضحكات تغلفها البراءة لكن تلك البسمات ذات الأصوات الرنانه كانت تسعى فى خفاء تمد أصابع الموت التى تطيح بالغد الذى لم يولد بعد كانت كطائر الكوكو الأعمى الوليد وهو يلقى بآمال السنين.
كانت حديقة العمر اليانعة تتبدل سريعا وتهجرها طيور الحب، واللون الأخضر يمد أياد صفراء طالبا الغوث ولامجيب، حتى ربحنا فى النهاية بقعة جرداء ذابلة فيها تنتهى سبل الحياة.
كبرت الزهرة واستحالت شجرة رمادية ليس لها نيه فى أن تحمل أغصانا أو أوراقا ولا حتى ثمارا. كان كل الحب الذى أغدقناه يتحول إلى عناقيد من مقت ليس لها لون تنضح باليأس كانت كأمطار من نار تحيل القلوب إلى صحارى يضيع فيها الأمل.
لم يعد لدينا أى شئ نعرضه للبيع إلا دموعا ساخنة وذكريات باهتة عن أحلام ذابلة قديمة. كانت الشجرة تكبر بلا سبب وكنا نذوى ونحن نعرف السبب. كنا كشجرتين فقدتا حتى الجذور التى كنا نتلتقى من خلالها فى صمت. كانت الريح تهب لتهز أعماق روحينا ونحن نلقى بنظرة أخيرة على الشجرة القاتلة وهى تمتص آخر ماتبقى من قطرات ماء الحياة حتى جاء من يحمل العرض النهائى كان حطابا أحضرته شجرتنا العزيزة كى يقطع أوصالنا لتعرض فى سوق ليس به من يشترى ولم يكن لنا سوى أن نرتدى وجها يحمل الابتسامة الأخيرة.