لم يزل الفجرُ.. أشهر سكان الليل!

لم يزل الفجرُ.. أشهر سكان الليل!

د. سعيد شوارب

اللوحة: الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو

علماء الرياضيات في الماضي كانوا يتصورون أن بإمكانهم معرفة المستقبل إذا عثروا على وسيلة تحدد لهم مواقع الموجودات في الكون، ثم تتيح لهم فوق ذلك، معرفة بالقوانين الحاكمة على سلوك هذه الموجودات.. جرأة شديدة على “التنبؤ”، تصورت الكون آلة دقيقة منضبطة كالساعة، فهي بذلك يقينية لا تخذل التوقع.

الخبراء في العقود الأخيرة من القرن العشرين أبدوا دهشة من الثقة المسرفة عند الماضين من علماء الرياضيات، وقالوا، مستحيل أن يكون هذا التفكير صحيحاً، فالكون يشبه قدراً تغلي على نحو يجعل التنبؤ بمواضع الموجودات التي يعصف بها الغليان مشكلة خارج العقل، وحتى على مستوى الأشياء البسيطة فقد سقطت التنبؤات فوق رءوس أصحابها.. فالرجل الذي اخترع آلة التسجيل تنبأ بأنها ستكون وسيلة التعليم المثالية.. ولم يحدث، والرجل الذي اخترع التليفزيون اعتقد أنه أنفع وأسلم الطرق لتوعية الجماهير.. ولم يحدث، ولم يقتصر استخدام الكمبيوتر على العمليات الحسابية والإحصائية، ولم تقتصر مبيعاته على أربعة أجهزة كما تنبأ مهندسه الأول في شركة “آي بي إم”!، ولم يصبح الهاتف مجرد اختراع مثير ذي قيمة تجارية محدودة كما تنبأ معاصرو “جراهام بيل”.. فالمنجمون إذن كاذبون، حتى لو صدروا عن آلات وإحصاءات ونماذج معقدة.. الذي يبدو الآن لناظر ذي بصيرة أن الإنسان قد ودع إلى الأبد أيام الراحة وعهود البساطة والحتميات، وفقد رفاهية استخلاص النتائج من المقدمات ورد الفروع على الأصول، وأصبح عليه أن يدرك أن قانون العلة والأثر والأسس المنطقية، وجميع البنى المعرفية من هرميات وتراتبيات، ليس إلا أشياء من صنع تصوراتنا نحن أبناء هذا الكوكب المحدود، أفرطنا في استخدامها فأفرطت في رسوخها، حتى ظننا أنها مطلقة وأزلية، وما هي من ذلك في شيء(١).

الدكتور نبيل علي في كتابه السابق هذا، يؤكد استحالة القدرة على التنبؤ، فيقول إن “التنبؤ” الصادق الوحيد والعالم تضربه عواصف التغيير وأمواج المعلومات، هو استحالة “التنبؤ”، فنحن نمضي بسرعة في اتجاه مجهول من ثقافة عصر المعلومات، وهو مجهول مزدحم بملايين الأسئلة التي تتضاعف كل يوم، دون أن يعثر أقلها على يقين، وهذا كلام يؤكده بشدة ما يقرره “إيليا بريجوجين” الحائز على جائزة “نوبل”، حيث يقول إن القرن العشرين قد حول كوكبنا عالماً غير متناه من الشكوك، وقد كان أسلافنا الماضون يرونه عالماً متناهياً من الحقائق اليقينية .

التنبؤ في هذه الغابة الضبابية الكثيفة من الفروض، أمر صعب إذن، فالأسئلة حادةٌ حادة.. ولا مجيب إلا عواصف المعلوماتية، غير أن الدكتور نبيل علي في كتابه المخيف الجميل هذا، يدخل منطقة “التناقض” مختاراً، ثم يبدأ في “التنبؤ” الذي أكد غير مرة أنه مستحيل، فيحاول الإجابة عن هذا السؤال المرعب فعلاً، “ماذا سيجري بنا نحن العرب، إذا تباطأنا عن اللحاق بعصر المعلومات؟ ويقرر أنه رضي بهذا القدر من التناقض، لأنه لا يستطيع أن يكتم ما يعصف بروحه من مخاوف، وما يضغطه من كوابيس.. إذا ظللنا نحن العرب نتجاوب مع ثورة المعلومات العاصفة بهذه الأذهان المتثائبة والمناهج المتهالكة، ثم يخفف شعوره بالتناقض فيحتمي بالحكمة الصينية التي تقرر أن كل أزمة هي مشكلة، وهي فرصة مواتية في آن معاً، ولا بأس إذن في أن نواجه المريض بعلته، فربما حفزه حجم الخطر إلى حجم أكبر من الخلاص منه، فأول أعوان الطبيب هو إرادة الحياة عند المريض.

ربما يبدو مفيداً في رسم الصورة التي حددت ملامحها تنبؤات الدكتور نبيل للمستقبل العربي نتيجة غيابنا شبه الكامل عن دخول غمرة المعلومات الجديدة – أن نورد أمثلة من الصورة المقابلة عند غيرنا، فإن هذه الأمثلة قد تكون حافزاً على إيقاظ إرادة الحياة، حتى لا تدهسنا عجلات المنطلقين ونحن نيام على “الطرق السريعة للمعلومات”، على حد تعبير “آل جور” نائب الرئيس الأمريكي السابق:

  • شركات الاتصالات الكبرى في العالم تروج الآن لشعار يخطف الأبصار، ملخصه، «أي معلومات في أي وقت، وفي أي مكان»، فهم يدقون الطبول «للقادم المعلوماتي المنتظر»، ويحاولون السيطرة على العالم كله بما وصل الآن من هذا «القادم»، غير آبهين بحال الفقراء والمستضعفين علمياً ومعلوماتياً، وهم يقولون لك، أي معلومات، ثم يضعون عليها أقفالاً مشددة من التعمية والتشفير، حتى لا تأخذ ما تريد إلا بما يريدون!
  • «ثورة المعلومات» أنجبت فيما أنجبت، ابنة هي «العولمة»، وانخرط الناس في الجدل الأرضي حولها، حتى صاروا زحاماً بلغ في السنوات القليلة الماضية أكثر من ألف وخمسمائة مؤتمر وندوة، ألقت في روع المراقبين أن العولمة أضحت دينا رأسماليا جديداً ملأ الدنيا وشغل الناس بالرغم من ثماره المرة في حلوق الفقراء.
  • زحام آخر غير أرضي هذه المرة يتمثل في أحزمة الأقمار الصناعية التي تجاوزت حتى الآن خمسمائة قمر بين بث مباشر وبث غير مباشر، وأقمار في المدارات المرتفعة وأخرى في المدارات المنخفضة وكلها يبخُّ رسائله في عقول الناس وعيونهم ويرمي بأهدافه الظاهرة والباطنة في اتجاه مصلحته هو، وهكذا، وابل كثيف ومخيف من الإعلام ينهمر على الأرض ويمضي من سقوفها إلى سقوفها، فإذا همس هامسٌ: أيها الناس خذوا حذركم من الغزو الإعلامي، رموك بفكر المؤامرة وبالمنطق المعطوب!.
  • إشارة عابرة ترد في حوار «فيلم» – نعم فيلم – حول توافر نسخة عربية لنظام «ويندوز» لتشغيل الكمبيوتر، فتنقلب الدنيا في شركة «ميكروسوفت» وتنفق سيلاً هائلاً من الأموال، حتى لا يسبق سابق إلى شيء لا تعرفه «ميكروسوفت».. إنها متابعة يقظة تنتفض للهمس، فالأمر جد ليس بالهزل عند هؤلاء الناس.
  • أهل التربية في أمريكا أصابتهم حالة مفرطة من الحساسية والخوف، لأن بيانات إحصائية أشارت إلى تقدم أطفال اليابان وجنوب شرق آسيا شيئاً ما، عن الأطفال في أمريكا في مهارات اللغة والحساب، لأن هذا ينذر بخطر في مجال الأمن القومي، هكذا.. الأمن القومي!، وأظننا لم ننس بعد حالة الذعر التي وضعت العسكرية الأمريكية في حالة تأهب، عندما وردت الأنباء غير مؤكدة، بأن اليابان طورت جيلاً جديداً من الكمبيوتر، لم تصل أخباره إلى الأمريكان!

أمثلة كثيرة على الشاطئ الغربي من العالم وفي بعض آسيا، ونحن نيام مبعثرون لم نعثر بعد على جملة مفيدة فعلاً لمنهج عربي في السياسة ولا في الحكم ولا في التربية ولا في الإعلام، صيغة تنسق الجهد في أي مستوًى من مستويات التنسيق، نستطيع أن نواجه بها شيئاً من التكتلات العلمية التي تحرص على بعثرتنا حرصها على تكتيل ذواتها، رغم ما بينها من عوامل الفرقة، وما بيننا من أسباب التلاحم في الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا والموارد! 

ولا تدري – عزيزي القارئ – لماذا نتحدث إذا تحدثنا عن ثورة المعلومات، حديث اليائس وحديث المندهش، كأننا نتحدث عن شيء من عالم الأساطير، ولماذا يستهوينا حديث النمور السبعة في آسيا فنرى بحسرة بعد الشوط بيننا وبينهم، وقد بدأنا الإصلاح من قبلهم جميعاً فنهضوا ونمنا؟ ولماذا لا ننظر قرب أذننا، لنرى النمر الأسود الذي يوشك أن يدس ذراعه الاقتصادية والمعلوماتية في حلوقنا من فوق أرضنا المنكوبة فلسطين، يدرس أحوالنا ويعرف شئوننا ويترجم أدق أسرارنا، إلى برامج وخرائط وخطط وجاسوسية وعسكرية سوداء؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟

هذه الصورة الترابية المتقابلة على جانبي التناقض، هي التي دفعت الدكتور نبيل علي إلى أن «يتنبأ» بملامح المستقبل العربي الذي يحمل حُرقته بين جنبيه، بوصفه واحداً من مثقفي العرب الذين خاضوا الواقع المتدافع من ثورة المعلومات، وتكونت لديهم قناعة بأن على العرب أن يدخلوا هذا المعترك قبل أن يدخلوا نفق النسيان والبيات الذي لا قيامة منه.

وسوف أختار لك – عزيزي القارئ – من هذه التنبؤات ما تسمح به المساحة هنا:

  • بضغط العولمة ومؤسساتها الطويلة الذراع في العالم وبتوظيف المنظمات الدولية المساندة، سوف تتراجع سطوة الحكومات العربية على حدودها الجغرافية وعلى مواردها، وقد تدفع تلك الأوضاع هذه الحكومات إلى تشديد القبضة على الجماهير، بحجة الأمن القومي ومواجهة التدخلات الأجنبية.
  • بضغط تلك العولمة، سوف تتراجع باطراد فرص العلم أمام الأجيال العربية، وسوف تتضاعف فرص استنزاف العقول العربية عبر «الإنترنت»، وهو ما يحدث من الآن، خصوصاً في مجال هندسة الكمبيوتر ونظم المعلومات.
  • ربما تعجز مؤسساتنا التربوية عن تلبية المطالب المتجددة لسوق العمل بسبب من عدم مرونة النظم وشح الموارد، ولا سيما في ضوء التكلفة الباهظة لتكنولوجيا التعليم.
  • ستعمل إسرائيل وسعها على اختراق أسواقنا الثقافية، مستغلة أساليب التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت، لا تعجزها حيلها الملتوية، وسوف تتمادى كثيراً في تشويه صورتنا الثقافية في العالم مستفيدة بتقدمها في تكنولوجيا المعلومات، وتحالفاتها مع المراكز الأكاديمية والتجمعات الثقافية والدينية، وحضورها القوي على الإنترنت.
  • ربما تحدث انتكاسة تعليمية تعيدنا إلى الاعتماد على اللغة الأجنبية كأيام الاحتلال، نتيجة الفجوة التي ستتسع بين لغتنا العربية ولغات العالم، بسبب عدم تطويرها واستفادتها بالخدمات الجديدة في هذا المجال معالجة وترجمة وتنظيراً وتوثيقاً وتعليماً.

وبعد، فتلك وإن تكن «تنبؤات»، فإنها تنبؤات عالم، ولا ينبئك مثل خبير، والشواهد كثيرة وخطيرة على صدقها، ولن يخرج العرب من هذا المأزق إلا إذا أدركوا حجم الهول، وجاءوا من العزم وإرادة الحياة بما يناسبه، ومن العزة والحمية بما يهون عليهم الثمن، وإن كان غالياً، وإلا إذا خرجوا من الاتكالية الساذجة، إلى يقين التوكل ومنهجيته، فإن التاريخ كله لم يعرف إلا حمارة واحدة غلبت سوابق الخيل، كان فوقها طفل في حجر «حليمة السعدية» تحفظه عناية السماء، أبقى لنا ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، ولكننا لم نأخذ ما تركه لنا بقوة، فكان من أمرنا ما ترى، ولله في خلقه شئون.

أما أنا، فلم أزل أعتقد برغم هذه الغابة الملتفة من التنبؤات المظلمة، بأن الفجر لم يزل هو أشهر سكان الليل.


(١) د. نبيل علي – الثقافة العربية وعصر المعلومات ص/19


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.