«الورقة» وقصص آخرى

«الورقة» وقصص آخرى

محمود حمدون

اللوحة: الفنان المصري جورج بهجوري

الورقة

كأنه يوم الحشر، فالزحام شديد والحر أشد والناس في وجل شديد وغضب عنيف. استرعى انتباهي الزحام فاقتربت بفضول مراهق، رأيت الناس يقفون دون انتظام ويتكالبون على شباك حديدي يطلّ من وراءه كهل يعتمر طاقية بيضاء وتنسدل لحيته دون حافة الشباك. 

كان الرجل ولا أعلم إن كان موظفا عموميًا أو غير ذلك في حال سخط وتبرّم شديدين، سمعته ينهر الناس ويزجرهم زجرًا شديدًا ، كما لفت نظري أن كلّ منهم يحمل ورقة بيضاء متوسطة الحجم في يده اليمنى ويرفع اليسري قابضًا على أصابعه بشدة، مناديًا الرجل خلف الشباك وملوّحًا بها.

استفزّني المشهد فتحسست طريقي وخضت بين الجمع وسألت بعضهم عن الموضوع وقد اتسعت حدقتا عيني مما أرى ودهشة تغمرني، سألني رجل يقترب من سنيّ عمرا: أين ورقتك؟ وكيف وصلت إلى هنا دونها؟ 

سألته: ما هذه الجلبة وما سر الورقة؟ وما تلك البناية؟ ومن ذلك الرجل خلف الشباك ذي اللحية الكثيفة الغاضب دومًا والزاجر أبدًا لكم؟ ولماذا اجتمعتم جميعا هنا؟ 

اعتصم الرجل بالصمت، بينما انغلق الشباك الحديدي بشدة، وصوتًا أعقب ذلك يقول: انتهت فترة الدوام الرسمي، ثم هبط ظلام كثيف لم يقطعه إلاّ صوت بكاء طفل يأتي من بعيد.

المربع رقم صفر

وجدتني أقفز بمهارة على قدم واحدة، متنقلًا بين مواضع عديدة على شكل مربعات باللونين الأبيض والأسود، حركة سريعة تنّم عن خبرة مستقرة.

لكن كان المجهود عنيفًا و الاصرار صادقًا لبلوغ الغاية، فلم يردعني تعب أو وقت مستنزف. تلفّت خلفي فوجدت كثير من الأقران يتقافزون بأقدام منفردة يحدوهم الأمل و يحفّهم رجاء غامض.

أخيرا، بعد معاناة شديدة وصلت للنهاية، للمربع الأخير فإذا به المربع رقم صفر.

نوم القطط

الطرق شديد والوقت يقترب من الفجر، يزداد وكأن صاحبه يُصرُّ على إيقاظ أهل الكهف ذاتهم، من قوته ارتجّت نوافذ البيوت، فأنا منذ أشهر قليلة اضطرب نومي وأصبحت كالقطط تصحو من أقل حركة، يثيرني الصخب فأستيقظ وبعدها يغادرني النعاس لليوم التالي، مع الغامض وضرباته الرهيبة على الباب الخشبي العتيق، قفزت فزعًا وارتديت بعض ملابسي على عجل، فالأكيد أن الأمر جلل والخطب عظيم.

تلك لحظة ارتجفت فيها وأنا الصلب الذي لا تلين عريكته، فقد زادتني الحياة قساوة فوق ما يتحمل بشر، فلمّا اقتربت من الباب، ارتعش صوتي للمرة الأولى، صحت بضعف: من بالباب؟ وأعقبت:ما غلظتك هذه وإصرارك على هدم الباب فوق رؤس أصحاب المكان؟!

ولمّا لم أجد ردًا واجابة، علا صوتي قليلًا وبدا أنّي استرديت بعض عافيتي في الفتوة والبأس، فصحت من جديد: أنت يا من تقف خلف الباب أحذر فقد فاض الكيل، لو خرجت إليك لوجدت ما لن يرضيك، سترى ما لم تره من قبل.!

لكن الخبط زاد حدّة، واضطرب الفؤاد من جديد، زاد من وجلي سماع قرقرة حدأة ونعيق غراب من مكان قريب، ثم ساد صمت قاتل، ساعة وتزيد وأنا خلف الباب أنتظر الطارق ومن وراءه تنساب أنفاس تقطّعت السبل بصاحبها، كأنما ينتظر أن أنتهي من تهديدي له، بينما يختبئ قطّي الأليف كعادته حينما يحلُّ بالمكان غريب، وتلكأت ساعة الحائط القديمة عن حركتها، اعتذر “ديك” الجيران عن رفع آذان الفجر انتظارًا على أمل.. 

نصف ساعة

أقبل من بعيد يجرجر جلبابه خلفه، ثم توقف وجلس بين يديّ وأخرج من جيبه عدسة مكبّرة لها يد من خشب وقال: تسمح؟!

نظرت إليه وقد غطّت وجهي علامة استفهام كبيرة وقلت: أسمح بماذا؟ أجزم أنّي غريب عنك ومع هذا رأيتك تجلس دون استئذان وكأننا أصحاب منذ بعيد.

قاطعني وبتجاهل قال: مُدّ يمينك كي أقرأ طالعك؟

  • طالعي؟! تقصد مستقبلي؟
  • لا فالمستقبل بيد الله، لا يعلمه أحد، فقط أدقق في خطوط كفّك الأيمن فأرى ما لا يراه غيري رموزًا تتوالى ثم تتجمع حتى تصبح صورة مرئية، فأقصّها عليك، ربما تفيدك في غدك أو تسرّي عنك بعض همومك..

بدا ليّ أن منطقه مقنعًا، فمددت يدي اليمنى، فبسط راحتي وبأنامله تحسس كفي ثم رفع عدسته وأطال النظر، فترة قاربت نصف الساعة. فسحبت يدي و انصرفت.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.